تعز على حافة النصر: خذلان أم خلل استراتيجي؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تفرض التطورات العسكرية في تعز أسئلة تتجاوز حدود المحافظة إلى جوهر إدارة الحرب اليمنية: هل توقف جبهات القتال في الجوف وشبوة والبيضاء و مأرب وغيرها وعدم التقدم والتي تنعكس في التراجعات الميدانية لخللًا في القيادة والإسناد، أم تضاربًا في الأولويات بين الجبهات، أم حسابات سياسية تعيد ترتيب موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟

لا يمكن الجزم بوجود قرار متعمد للتخلي عن تعز دون أدلة واضحة، لكن لا يجوز أيضًا التعامل مع خسارة المواقع والضغط على خطوط الإمداد باعتبارهما من طبائع الحرب التي لا تستدعي المساءلة، فالمعيار الحقيقي هو مدى استعداد القيادة للمواجهة، وسرعة استجابتها للمخاطر، وقدرتها على حماية المدينة ومنع الحوثيين من تحويل التقدم الميداني إلى مكاسب استراتيجية دائمة.

بين الاستنزاف والتقصير والحسابات السياسية

ثمة أربعة تفسيرات رئيسية لما يجري، أولها احتمال استخدام جبهة تعز لاستنزاف الحوثيين ريثما تكتمل ترتيبات عسكرية في جبهات أخرى، وهذا احتمال معروف في الاستراتيجيات العسكرية، لكنه لا يصبح منطقيًا إلا إذا كانت هناك خطة متكاملة تحقق مكاسب مقابلة وتحافظ على قدرة تعز الدفاعية. أما خسارة المواقع والطرق الحيوية دون تحقيق مكاسب استراتيجية واضحة، فلا يمكن تبريرها بمجرد الحديث عن الاستنزاف.

وثانيها تأخر الإسناد العسكري أو عدم كفايته. ففي المعارك، قد يفقد الدعم جزءًا كبيرًا من قيمته عندما يصل بعد سقوط المواقع أو انقطاع طرق الإمداد، ولذلك ينبغي التحقق من توقيت طلب التعزيزات، والاستجابة لها، وحجم الموارد التي وصلت فعلًا، ومدى ملاءمتها لاحتياجات الجبهة.

وثالثها احتمال تأثير الخلافات السياسية وتعدد مراكز النفوذ في توزيع الموارد وتنسيق العمليات. وقد تسعى بعض الأطراف إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، لكن إثبات وجود قرار بالتضحية بتعز يتطلب أدلة مستقلة، ولا يكفي لإثباته صمت القيادات أو تراجع القوات.

أما التفسير الرابع، فيرى أن ما يحدث جزء من طبيعة الحرب، حيث تتقدم القوات وتتراجع وفق موازين القوة وظروف الميدان. وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا يعفي القيادات من مسؤولية تقييم الأخطاء، وتفسير الخسائر، ومراجعة القرارات التي كان من الممكن أن تمنعها.

وعليه، فإن البداية الأكثر واقعية للتحليل هي فحص كفاءة إدارة المعركة، وتوقيت الإسناد، ومستوى التنسيق بين القوات، قبل الانتقال إلى استنتاجات تتعلق بالتخلي المتعمد عن المحافظة.

تعز في معادلة الأمن الإقليمي

لا تقتصر أهمية تعز على ثقلها السكاني والسياسي ورمزيتها الجمهورية؛ فموقعها الجغرافي يجعلها حلقة مهمة بين المرتفعات الغربية والساحل الغربي والطرق المؤدية إلى عدن، ويربط تطوراتها بموازين القوة المحيطة بباب المندب والبحر الأحمر.

ومن شأن تثبيت الحوثيين لمكاسبهم في المناطق الساحلية وتوسيع الضغط على تعز أن يعزز قدرتهم على تهديد خطوط الاتصال الحكومية، ويضعف قدرة القوات المناهضة لهم على المناورة بين الجبهات، وفي المقابل، فإن استعادة المبادرة تتطلب قيادة موحدة، وإمدادًا مستمرًا، وخطة دفاعية وهجومية منسقة تمنع الحوثيين من استثمار تفوقهم الموضعي.

ولا توجد أدلة كافية للجزم بأن هناك تفاهمًا إقليميًا أو دوليًا يقضي بالتضحية بتعز لتحقيق أهداف في الساحل الغربي أو باب المندب كما تروج الماكينة الاعلامية لمليشيات الحوثي الإيرانية، لكن غياب الدليل على وجود مثل هذا القرار لا يلغي ضرورة مساءلة القيادة عن أي خلل في الإسناد أو التخطيط أو توزيع الموارد.

من التشخيص إلى التدخل العاجل

لم يعد كافيًا الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو انتظار تفسيرات سياسية قد تأتي متأخرة عن تطورات الميدان. فالأولوية هي حماية مدينة تعز، وتعزيز صمود قواتها، ومنع تحول الضغوط العسكرية إلى واقع يصعب تغييره.

وفي هذا السياق، ينبغي على القيادة السياسية والعسكرية للشرعية دراسة حزمة إسناد عاجلة تشمل توفير الذخائر والمعدات النوعية ووسائل الإمداد المناسبة، وتأمين خطوط الاتصال، وتعزيز التنسيق بين التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، مع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين واستمرارية وصول المساعدات الإنسانية.

كما تبرز أهمية دراسة فتح ممرات إمداد بديلة، وتعزيز الجبهة الغربية، وتنسيق جهود القوات الموجودة في محيط تعز مع القوات المنتشرة على الساحل الغربي، بما يحد من قدرة الحوثيين على عزل المدينة أو تطويقها.

وفي هذا الإطار، فإن الدفع بقوات درع الوطن والعمالقة للمشاركة في عملية لفك الحصار عن تعز، انطلاقًا من جبهة الوازعية باتجاه البيرين والضباب، وصولًا إلى الالتحام بالقوات الموجودة في الجبهة الغربية للمدينة، يمثل مقترحًا عسكريًا يستحق التقييم العاجل من القيادة المشتركة، بالنظر إلى ما قد يحققه من تعزيز للترابط بين الجبهات وتخفيف الضغط على المدينة، ويتطلب اعتماد هذا المسار تقييمًا ميدانيًا مباشرًا، وتنسيقًا موحدًا للقيادة والإمداد، وتقديرًا للمخاطر على القوات والمدنيين.

كذلك فإن طلب إسناد جوي عاجل لتعزيز صمود القوات المدافعة عن تعز يستحق الدراسة الجادة رغم ما تم حتى الان من عمليات جوية مشهودة خلال الايام الماضية، على أن يخضع لأي عملية جوية تقييم متخصص لجدواها ومخاطرها، مع ضمان التحقق من الاحتياجات الفعلية، ودقة إيصال الإمدادات إلى الجهات المقصودة، وحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

ولا ينبغي أن يتحول اختلاف التشكيلات العسكرية أو الحسابات السياسية إلى عائق أمام اتخاذ قرارات ضرورية لحماية تعز. فالمعركة تتطلب توحيد الجهد والموارد ضمن خطة واضحة، لا ترك كل جبهة تواجه التحديات بمعزل عن الأخرى.

المسؤولية اليوم هي منع الخسارة الاستراتيجية

إن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه قيادة الشرعية ليس فقط ما إذا كانت تعز قد تعرضت للخذلان، بل ما إذا كانت تمتلك خطة عملية لمنع تدهور وضعها العسكري واستعادة المبادرة.

فإذا كانت التراجعات نتيجة تأخر الإسناد، وجب تصحيح مسار الإمداد. وإذا كانت نتيجة ضعف التنسيق، وجب توحيد القيادة والجهد. وإذا ثبت وجود قرارات سياسية عطلت متطلبات الدفاع، وجبت المساءلة، أما إذا كانت الخسائر جزءًا من إعادة انتشار مدروسة، فعلى القيادة توضيح أهدافها وبيان كيفية حماية المدينة وتحقيق المكاسب المعلنة.

تعز ليست مجرد جبهة عسكرية، بل ركيزة في معادلة استعادة الدولة اليمنية، وأي انهيار في قدرتها على الصمود ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المحافظة إلى التوازنات العسكرية والسياسية في اليمن.

إن المطلوب الآن هو الانتقال من الجدل حول أسباب الخذلان إلى تحرك عاجل ومدروس لحماية تعز، وتعزيز إمدادها، وتنسيق الجبهات المحيطة بها، ومنع الحوثيين من تحويل الضغط العسكري إلى مكسب استراتيجي دائم، من خلال إنزال جوي باسلحة نوعية وذخيرة الى مدينة تعز وتحريك قوات العمالقة  و درع الوطن من الوازعية نحو جبل حبشي وصولا الى منطقة البيرين، فالمسؤولية الوطنية تقتضي اتخاذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب، ومراجعة الأخطاء بشفافية، وتقديم سلامة المدنيين وصمود القوات وحماية مشروع الدولة على أي حسابات أخرى.

 أكاديمي ومحلل سياسي يمني