مليشيات الحوثي و خداع الداخل ومهادنة أمريكا وإسرائيل لخدمة المشروع الإيراني وابتزاز السعودية
«ولدينا اتصالات معهم»، تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعيد طرح سؤال جوهري عن التناقض بين خطاب مليشيات الحوثي وممارساتها السياسية والعسكرية: كيف لجماعة ترفع شعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، وتعبئ اليمنيين والعرب بخطاب المواجهة، أن تتواصل مع واشنطن وتبحث معها ترتيبات لتجنب الصدام، بينما تستمر في حروبها ضد اليمنيين وتصعيدها تجاه السعودية؟
المشكلة ليست في التفاوض مع الخصوم، فالتفاوض أداة سياسية مشروعة لإنهاء النزاعات، وإنما في استخدام العداء المطلق لأمريكا وإسرائيل لتعبئة الداخل وتخوين المعارضين، ثم التعامل مع واشنطن ببراغماتية عندما تقتضي مصلحة الجماعة ذلك، وهنا تتكشف الفجوة بين الشعارات المعلنة والحسابات الفعلية، ويصبح السؤال مشروعًا: هل العداء الذي تروّج له الجماعة مبدأ ثابت، أم ورقة سياسية يجري توظيفها وفق مقتضيات البقاء والنفوذ لتمكينها من السيطرة وحكم اليمنيين بمشروع ولاية الفقيه وادعاء الحق الإلهي المزعوم بحكم اليمنيين؟
الشعارات للداخل والتفاهمات الأمريكية لحماية الجماعة
تكشف الاتصالات المذكورة بتصريحات ترامب بوجود تفاهمات مع الحوثيين عن مفارقة تستحق التحليل، خصوصًا إذا اقترنت بمحاولات تجنب المواجهة المباشرة مع القوات الأمريكية او الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار التصعيد تجاه تعز و المملكة العربية السعودية.
فإذا كانت الجماعة قادرة على التواصل مع واشنطن لتجنب الضربات الأمريكية او الإسرائيلية وبخاصة بعد اعلان الحوثي عن عدم استهداف السفن الأمريكية و الإسرائيلية، فلماذا لا تجعل تجنب الحرب وحماية اليمنيين أولوية في تعاملها مع الحكومة الشرعية والسعودية؟ ولماذا يُقدَّم التفاوض مع الخصوم باعتباره خيانة عندما يصدر عن الآخرين، بينما يصبح خيارًا مقبولًا عندما يخدم مصالح المليشيات الحوثية؟
إن هذه الازدواجية تعزز فرضية أن الجماعة توظف خطاب العداء الخارجي لتعبئة أنصارها، بينما تتعامل مع الصراعات وفق حسابات سياسية وعسكرية مرنة، ومع ذلك، فإن وجود اتصالات متكررة يثبت وجود تحالف أو صفقة سرية وللحكم على ابعاد وطبيعة هذا التحالف او الصفقة يتطلب معرفة مضمونها والالتزامات المترتبة عليها.
التناقض الحقيقي ليس في التفاوض مع أمريكا، بل في استخدام شعار مواجهتها لتبرير إخضاع اليمنيين، ثم تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الدولة والمجتمع.
الحوثيون والمشروع الإيراني: اليمن ورقة في صراع إقليمي
لا يمكن فهم الدور الحوثي بمعزل عن علاقته بإيران وموقع اليمن الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، فهذه الجغرافيا تمنح الجماعة قدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية وحسابات السعودية والولايات المتحدة، وتجعل تحركاتها ذات أبعاد تتجاوز الصراع الداخلي.
ومن هنا، يبرز توظيف التصعيد الحوثي لخدمة حسابات النفوذ الإيراني، سواء عبر الضغط على السعودية أو تهديد الملاحة أو تحسين شروط التفاوض في ملفات إقليمية أوسع في ضل حرب وحصار تعز وتهجير و قتل اليمنيين.
إن خطورة هذا المسار تكمن في احتمال تحول اليمن إلى ورقة للمساومة بين القوى الإقليمية والدولية، بينما يتحمل اليمنيون جرائم الحرب والدمار الحوثي وانهيار الاقتصاد وانعدام الخدمات.
فإذا كانت الجماعة ترفع شعار الاستقلال والسيادة، فإن المعيار الحقيقي لاستقلال القرار الوطني هو أن تكون الحرب والسلم خاضعين لمصلحة اليمنيين، لا لحسابات النفوذ الإقليمي أو بقاء سلطة مسلحة تدعي الحق الإلهي المزعوم بحكم اليمنيين وقتلهم و استعبادهم.
تعز ومأرب والساحل الغربي: حقيقة الشعارات أمام معاناة اليمنيين
يسقط الخطاب الحوثي أمام اختبار الواقع عندما تُقارن شعارات نصرة المستضعفين بمعاناة المدنيين اليمنيين في مناطق الحرب والجرائم المرتبكة بحق ابناء محافظة تعز و مأرب وغيرها من المحافظات و قتل اليمنيين و تفجير المنازل وزرع الألغام و العبوات الناسفة وتدمير حياة السكان.
ففي تعز، أدى الحصار والقيود على الحركة والعمليات العسكرية إلى معاناة إنسانية ممتدة ومستمرة وتزداد وطأة هذا الحصار بشدة مع مرور الايام و حتى هذه اللحظة دون تدخل عاجل من الحكومة الشرعية والتحالف لفك الحصار عن اثنين مليون نسمة، وفي مأرب، واجه السكان والنازحون مخاطر الهجمات بالمسيرات و الصواريخ الباليستية والهجوم بالمدفعية والانساق العسكرية المتكررة على مأرب وغيرها وتداعيات الحرب المتجددة من قبل المليشيات الحوثية، أما الساحل الغربي، فقد ظل مسرحًا لمواجهات تهدد أمن السكان وتزيد مخاطر التصعيد في منطقة ذات أهمية استراتيجية للملاحة الدولية وحدث تهجير لعشرات ألألاف من السكان هروبا من جرا؛م المليشيات الحوثية باتجاه عدن و لحج وغيره باتجاه المحافظات المحررة هروبا من بطش المليشيات الحوثية.
هذه ليست مجرد تفاصيل عسكرية، بل قضايا تمس حق اليمنيين في الحرية و الأمن والحياة الكريمة، ولا يجوز اختزال تعز في انتماء حزبي، أو تصوير الدفاع عن أبنائها باعتباره خدمة لفصيل سياسي او رفضهم للمشروع السلالي؛ فحق المدنيين في الحماية لا يرتبط بانتماءاتهم، كما أن معاناة مأرب والساحل الغربي وغيرها من المناطق لا يجوز إخضاعها لحسابات الاصطفاف السياسي او القبول بالمشروع السلالي المرفوض من قبل الشعب اليمني و المقاوم لهذا المشروع.
إن الجماعة التي تقدم نفسها نصيرة للمظلومين مطالبة بأن تُحاسَب على ممارساتها تجاه اليمنيين، لا أن تُمنح حصانة أخلاقية بسبب شعاراتها الخارجية، كما أن توصيف الانتهاكات بأنها جرائم حرب لم يعد يستلزم التحقق من الوقائع فقد توافرت الدلائل والشواهد و العناصر القانونية المطلوبة للتدخل الدولي والاممي لحماية المدنيين من جرائم الحرب الحوثية، وبما يعزز فرص المساءلة بدل الاكتفاء بالاتهامات السياسية والبيانات الاممية والقرارات التي لم تجد طريقا للتنفيذ مثل القرار 2216 و غيرها من القرارات الدولية تحت الفصل السابع.
فلا معنى لمواجهة الظلم خارج الحدود إذا تحولت حياة اليمنيين وحقوقهم إلى أدوات للسيطرة والضغط داخل البلاد.
ابتزاز السعودية ومهادنة واشنطن: ازدواجية تخدم من؟
عندما تتجنب الجماعة مواجهة الولايات المتحدة في إطار تفاهمات أو اتصالات سياسية، بينما تستمر في التصعيد ضد السعودية، يصبح من الضروري التساؤل عن أهداف هذا التباين، وعن الجهات التي تستفيد منه.
قد تكون وراءه حسابات عسكرية مختلفة، لكن استمرار الضغط على السعودية يخدم هدف الحوثي في انتزاع تنازلات سياسية أو تحسين موقع الجماعة التفاوضي، كما قد يتقاطع مع حسابات إيرانية أوسع، و يكفي التزامن وحده لإثبات وجود صفقة لابتزاز الرياض، ومحاولة إخضاع الشعب اليمني المقاوم للمشروع السلالي الحوثي.
أما استهداف المطارات والمنشآت المدنية السعودية، فقد ثبتت مسؤولية الجماعة الحوثية عنه من خلال المناطق التي يتم اطلاق الصواريخ والمسيّرات منها وهي مناطق تقع تحت سيطرة مليشيات الحوثي وكذلك الاعلان الرسمي من قبل القيادات الحوثية والناطق الرسمي بأسمها، وهذه الجرائم لا يمكن تبريرها بالشعارات أو الادعاءات السياسية التي تطلقها مليشيات الحوثي من فك الحصار وغيرها من الادعاءات الكاذبة.
كما أن أمن السعودية واستقرار اليمن مصلحتان مترابطتان، ولا يخدم اليمنيين تحويل بلدهم إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية وخدمة المشروع الإيراني وابتزاز السعودية للمشروع الابراهيمي والتطبيع مع إسرائيل.
إن السيادة الوطنية لا تعني امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة فحسب، بل تعني امتلاك قرار مستقل يحدد متى تُستخدم القوة، ولأي غاية، ومن يتحمل نتائجها.
سقوط ورقة التوت: من يخدم مشروعه من؟
يستند الخطاب الحوثي إلى استثمار مشاعر الغضب العربي من السياسات الأمريكية والإسرائيلية والتعاطف مع القضية الفلسطينية. وهذه مشاعر مفهومة، لكنها لا تبرر منح أي جماعة تفويضًا مفتوحًا، أو تجاهل ممارساتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية.
فالقضية الفلسطينية أكبر من الحوثيين، ومواجهة السياسات الأمريكية لا تعني التغاضي عن الحصار والانتهاكات والحرب داخل اليمن. ومن حق المفكرين والإعلاميين العرب أن يميزوا بين دعم قضية عادلة وبين تأييد مشروع سياسي أو عسكري يستخدمها لتبرير ممارساته.
ولا يكفي للحكم على أي جماعة أن ترفع شعار المقاومة؛ بل يجب النظر إلى موقفها من حقوق المجتمع، واستقلال القرار الوطني، وحماية المدنيين، والتعددية، والمساءلة، واستعدادها لإنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة.
إن سقوط ورقة التوت لا يثبت بمجرد اتصال بين خصمين، بل عندما تتراكم الوقائع التي تكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، وعندما يصبح واضحًا أن الشعارات قد تُستخدم لتعبئة الداخل، فيما تُدار العلاقات الخارجية وفق حسابات المصالح والنفوذ.
إن جوهر المشكلة الحوثية، وفق هذا التحليل، هو احتمال توظيف العداء المعلن لأمريكا وإسرائيل لتضليل الداخل اليمني، واستخدام التصعيد ضد السعودية لخدمة حسابات الجماعة والمشروع الإيراني، بينما يدفع اليمنيون ثمن الحرب والحصار والدمار.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام مليشيات الحوثي هو إنهاء الحرب، ورفع الحصار عن تعز، وحماية المدنيين في مأرب والساحل الغربي وسائر اليمن، واحترام حق الشعب في استعادة دولته ومؤسساته وقراره الوطني المستقل وهذا لن يتأتي الا بمعركة كسر عظم لمليشيات الحوثي وهزيمتها عسكريًا.
فاليمنيون لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات، بل إلى دولة تحميهم، وسلام ينهي معاناتهم، وقرار وطني لا يُختطف لصالح أي جماعة تدعي الحق الإلهي المزعوم بحكم اليمنيين أو أن تكون مطية للمشروع الإيراني.
فهل تعمل مليشيات الحوثي من أجل اليمن، أم توظف اليمن لخدمة بقائها وحسابات المشروع الإيراني؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تُقاس به حقيقة الشعارات، بعيدًا عن الدعاية والاستقطاب.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني