تعز تحت الحصار .. مدينة تُختنق ومأساة إنسانية تتجاوز حدود الصمت
لم تعد تعز مجرد مدينة تعيش تحت وطأة الحرب، بل أصبحت مدينة محاصرة تُنتزع منها مقومات الحياة يوماً بعد آخر، وتُترك لمواجهة الموت والجوع والمرض في مشهد إنساني بالغ القسوة، يضع الضمير الإنساني أمام اختبار حقيقي. فمنذ أكثر من أسبوعين، والحصار يطبق على كافة منافذها ومعابرها، فيما تتجدد الاشتباكات، وتتعالى أصوات المدافع والقناصات، ويسقط المدنيون بين شهيد وجريح، وسط واقع يزداد قتامة وخطورة.
إن ما تشهده تعز ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل كارثة تتسع رقعتها مع استمرار إغلاق الطرق وعزل السكان عن احتياجاتهم الأساسية. فالمشتقات النفطية تتلاشى من الأسواق، والمياه والغذاء والدواء تتحول إلى مطالب شاقة، والأسعار تلتهم ما تبقى من قدرة المواطنين على الاحتمال، فيما تتوقف وسائل النقل، وتتعطل مصالح الناس، وتُترك الأسر الفقيرة لمواجهة مصيرها في ظروف لا ترحم.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه هذه المعاناة، تتراكم النفايات في الشوارع، وتتراجع الخدمات، وتتزايد مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض، في ظل ضغوط متصاعدة على القطاع الصحي الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأخير عن حياة المدنيين. وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً من كل الجهات؛ يخشى القصف، ويصارع الجوع، ويترقب المرض، ويبحث عن أبسط حقوقه في الحياة والأمان.
لقد تبدلت صورة تعز بصورة موجعة؛ فالمدينة التي كانت تضج بالحركة والنشاط أصبحت شوارعها شبه خالية، وأسواقها موصدة، ومدارسها وجامعاتها متوقفة، ومؤسساتها الحكومية مشلولة. إنها مدينة تُطفأ أنوار الحياة فيها بالقوة، ويُدفع سكانها إلى مواجهة ظروف قاسية لا ذنب لهم فيها.
إن الصمت إزاء ما يحدث في تعز لم يعد موقفاً محايداً، بل تقاعس عن مواجهة مأساة تتفاقم كل يوم. فحياة المدنيين ليست ورقة ضغط، والغذاء والدواء والمياه ليست أدوات للصراع، وحرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية حقوق لا يجوز تحويلها إلى امتيازات مشروطة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الإنسانية والأخلاقية تفرض تحركاً عاجلاً لوقف استهداف المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وفتح الطرق والمعابر، وضمان تدفق الغذاء والدواء والمياه والوقود.
إن تعز لا تحتاج إلى مزيد من بيانات الأسف والتضامن والإدانة بقدر حاجتها إلى مواقف عملية تنقذ سكانها من براثن الحصار وتمنع اتساع الكارثة. فكل يوم يمر دون انفراجة يعني مزيداً من المعاناة، وكل تأخير في إنقاذ المدنيين يفاقم فاتورة إنسانية لا يجوز التساهل معها.
تعز تختنق، وسكانها يدفعون الثمن، والتاريخ لن ينسى من رأى المأساة تتسع واختار الصمت.