14 أكتوبر .. من التحرير إلى استعادة الجمهورية

منذ 55 دقيقة
مشاركة الخبر:

في ذكراها الثالثة والستين، لا تعود ثورة 14 أكتوبر المجيدة إلى ذاكرة اليمنيين بوصفها صفحة من تاريخ مضى، بل باعتبارها نداءً وطنياً متجدداً في وجه واقع مثقل بالانقلاب والحرب والانهيار المعيشي وتراجع مؤسسات الدولة. إنها ذكرى ثورة انتزعت الحرية من قبضة الاستعمار البريطاني، ورسّخت حقيقة تاريخية لا تقبل التأويل: أن إرادة الشعوب، مهما اشتدت التحديات، قادرة على إسقاط مشاريع الهيمنة وانتزاع حقها في تقرير مصيرها.
من قمم جبال ردفان، انطلقت شرارة الثورة في 14 أكتوبر 1963م بقيادة الشهيد راجح لبوزة، لتشق طريقها بالتضحيات والمقاومة حتى رحيل آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967م. ولم تكن تلك الملحمة نضالاً جنوبياً معزولاً، بل فصلاً أصيلاً من معركة وطنية تكاملت فيها تضحيات اليمنيين، من ثورة 26 سبتمبر 1962م إلى ثورة أكتوبر، وتجلّت فيها وحدة المصير من جبال الجنوب إلى سهول الشمال، وكانت تعز وغيرها من المناطق حاضنةً وسنداً للثوار.
لكن المفارقة المؤلمة أن اليمن، بعد عقود من الاستقلال، يجد نفسه أمام تحديات تمس جوهر الدولة والجمهورية والسيادة الوطنية. فبدلاً من أن تتحول تضحيات الأجداد إلى واقع من الاستقرار والعدالة والتنمية، يواجه المواطنون تداعيات انقلاب وصراع طال أمده، وأزمات اقتصادية ومعيشية خانقة، وانقساماً أضعف مؤسسات الدولة وأثقل كاهل المجتمع، فيما تتصارع المشاريع السياسية وتتداخل التدخلات الخارجية على حساب القرار الوطني المستقل.
إن استحضار ثورة أكتوبر اليوم لا يجوز أن يتحول إلى طقس احتفالي موسمي، تتكرر فيه الخطب والشعارات بينما تتعمق معاناة الناس وتتراجع آمالهم. فالوفاء الحقيقي للثورة يبدأ من تسمية التحديات بأسمائها، والتمسك بالجمهورية، والعمل على إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، ورفض كل مشروع طائفي أو عنصري أو مناطقي يسعى إلى تمزيق الهوية الوطنية وتحويل اليمنيين إلى جماعات متناحرة.
كما أن الاستقلال الذي ناضل من أجله الثوار لا يكتمل بمجرد سقوط نظام الاستبداد ورحيل القوات الأجنبية الداعمة له، بل يتطلب سيادة القرار السياسي، والتحرر من الارتهان، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وبناء دولة لا تخضع مؤسساتها لقوة السلاح أو نفوذ الجماعات المتطرفة، ولا تُختزل فيها المصالح الوطنية في حسابات ضيقة.
فالجمهورية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون الذي يحمي الجميع، وصون الحقوق التي لا يجوز مصادرتها، والكرامة التي لا تقبل المساومة.
وفي ظل الانهيار المعيشي واتساع دائرة الفقر، تصبح استعادة الدولة مسؤولية لا تحتمل المماطلة، كما يصبح توحيد الصف الوطني ضرورة تتقدم على المناكفات والحسابات الفئوية. فلا انتصار لثورة التحرير فيما المواطن يفتقد مقومات الحياة الكريمة، ولا معنى للاستقلال إن ظل القرار الوطني رهينة للصراعات والتدخلات، ولا مستقبل لليمن من دون مشروع جامع يستعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن 14 أكتوبر ليست ذكرى للاحتفاء بالماضي فحسب، بل اختبار للحاضر واستحقاق للمستقبل. فإما أن نستعيد روحها في مشروع وطني يعيد الاعتبار للجمهورية والسيادة والعدالة، وإما أن نبقى أسرى واقع يناقض الأهداف التي ضحى من أجلها الثوار. وستظل رسالة ردفان مدوية في ضمير اليمنيين: أن الحرية لا تُمنح، وأن الكرامة لا تُستجدى، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بإرادة أبنائها، ودولة تحميهم وتصون حقوقهم وتمنحهم حقهم في حياة حرة وكريمة.