الوطن يتمزق أشلاء، فما المخرج؟

منذ 3 ساعات
مشاركة الخبر:

نعم، هذا هو حال وطننا اليوم؛ وطنٌ أنهكته الحرب، ومزقته الانقسامات، واستنزفت مقدراته مشاريع سياسية وطائفية ضيقة، حتى أصبح المواطن اليمني يدفع ثمن صراعات لم يخترها، ويدفع من دمه ولقمة عيشه وأمنه واستقراره فاتورة أطماع لا تنتهي.
وأصبح اليمن ضحية لمشاريع لا ترى أبعد من مصالحها، ونخب لا يشغلها سوى البقاء في السلطة، وقوى تتعامل مع الوطن باعتباره ساحة نفوذ لا دولة تستحق أن تُبنى، وشعبًا يستحق أن يعيش بكرامة وأمان.

وفي ظل هذا الواقع المؤلم، يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن إنقاذ سفينة الوطن وإعادتها إلى بر الأمان، واستعادة الدولة اليمنية من براثن الانقسام والحرب؟

إن إنقاذ اليمن لا يبدأ بتغليب طرف على آخر، ولا بفرض إرادة سياسية بالقوة، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للهوية الوطنية الجامعة، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والمذهبية، وبناء مشروع وطني يستوعب جميع اليمنيين.

إن الهوية اليمنية ليست مجرد انتماء جغرافي أو شعار سياسي، بل هي رابطة تاريخية وحضارية واجتماعية، وهي الأساس الذي يمكن أن يستند إليه اليمنيون لإعادة بناء دولتهم وصيانة نسيجهم الاجتماعي.

فإذا تمزقت هذه الرابطة، خسر الجميع، وإذا استعاد اليمنيون شعورهم بالانتماء إلى وطن واحد، أصبحوا أكثر قدرة على تجاوز خلافاتهم ومواجهة التحديات ،ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون حوار يمني ـ يمني صادق وشامل، يستند إلى الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها بناء دولة ذات سيادة، وصون الحقوق والحريات، وترسيخ المواطنة المتساوية، والاتفاق على شكل الدولة ونظامها السياسي عبر التوافق والوسائل السلمية.

إن اليمن بحاجة إلى تسوية وطنية تنهي الحرب، وتفتح الطريق أمام استعادة مؤسسات الدولة، وتضمن مشاركة الجميع في بناء المستقبل، بعيدًا عن منطق الغلبة والاستحواذ.

كما أن تقديم مصلحة الوطن على مصالح الأحزاب والجماعات أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل ،فلا يمكن أن تنهض دولة فيما يضع كل طرف مصالحه فوق مصالح الشعب، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار بعقلية «أنا ومن بعدي الطوفان».
إن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع الإقرار بأن الوطن أكبر من أي حزب أو جماعة أو مذهب لإنقاذ وطن بأكمله، أما التمسك بالمصالح الخاصة على حساب الوطن، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب وتعميق معاناة الشعب.

ولا يمكن الحديث عن سلام حقيقي ما دامت الحرب مصدرًا للثراء، وما دام هناك من يستفيد من استمرار معاناة اليمنيين. لذلك، لا بد من كشف شبكات الفساد والثراء غير المشروع المرتبطة بالحرب، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال معاناة الشعب أو نهب المال العام أو تمويل الصراع، وفق إجراءات قانونية عادلة وشفافة.

كما ينبغي دعم الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص العمل، وصرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات الأساسية، وتخفيف المعاناة الإنسانية فبناء السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة الأسباب التي تجعل العودة إلى الحرب خيارًا مغريًا لبعض القوى.

اليمن ليس هامشًا في التاريخ العربي، ولا مجرد مساحة جغرافية على أطراف الجزيرة العربية، بل هو جزء أصيل من الذاكرة الحضارية والتاريخية للأمة العربية، وعنصر مهم في حاضرها ومستقبلها.

إن تاريخ اليمن العريق، وموقعه الاستراتيجي، وامتداده الحضاري، وروابطه الإنسانية والثقافية مع محيطه العربي، تجعل استقراره ضرورة تتجاوز حدوده الوطنية ،فكيف يمكن الحديث عن أمة عربية قوية فيما يعاني اليمن من الانقسام، وتنهك شعبه الحرب، وتتراجع مؤسسات دولته، ويواجه ملايين أبنائه الفقر والجوع والنزوح؟.

إن وحدة الصف العربي لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تبدأ من معالجة الأزمات التي تهدد استقرار الدول العربية، وفي مقدمتها الحرب اليمنية ،واليمن، بما يمتلكه من موقع جغرافي مهم وإرث حضاري عريق، قادر على أن يكون جسرًا للتعاون العربي، وعنصرًا فاعلًا في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، متى استعاد دولته ومؤسساته وقراره الوطني المستقل.

إن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل مصلحة عربية مشتركة، لأن الأزمات الممتدة لا تقف عند حدود الدول، بل تنعكس على الأمن والاقتصاد والملاحة والتجارة والعلاقات بين الشعوب.

إلى أشقائنا في دول الخليج ومصر وبلاد الشام والمغرب العربي، إن اليمن يحتاج إلى موقف عربي مسؤول ينطلق من إدراك أن استقرار اليمن مصلحة مشتركة، وأن استنزافه لا يخدم مستقبل المنطقة ولهذا فإن الدور العربي المطلوب اليوم هو دور الوسيط النزيه، والشريك في صناعة السلام، والداعم لاستعادة الدولة، اليمن بحاجة إلى دعم عربي يحترم سيادته، ويساعد أبناءه على استعادة مؤسساتهم الوطنية، ويعزز استقلال قرارهم السياسي، بعيدًا عن الوصاية والتبعية كما أن المسؤولية العربية تقتضي دعم حوار يمني شامل يفضي إلى تسوية سياسية مستدامة، وتشجيع الأطراف اليمنية على وقف الحرب وتغليب الحلول السلمية، وتقديم الدعم الإنساني والاقتصادي والتنموي للشعب اليمني، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتأهيل البنية التحتية.

ويظل دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ومكافحة الفساد، واحترام استقلال اليمن ووحدة أراضيه، من أهم الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها أي تحرك عربي جاد لإنهاء الأزمة اليمنية .

فكلما طال أمد الصراع، اتسعت دوائر الفقر، وتراجعت فرص التنمية، وتزايدت مخاطر التهريب والتطرف والنزوح والهجرة غير النظامية، وأصبحت المنطقة أكثر عرضة للاضطرابات وعدم الاستقرار.

أما اليمن المستقر، الذي يمتلك دولة فاعلة ومؤسسات قوية واقتصادًا قادرًا على تلبية احتياجات شعبه، فيمثل عاملًا مهمًا في تعزيز أمن دول الجوار، وحماية المصالح المشتركة، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والتنموي.

ولا يمكن إغفال الموقع الاستراتيجي لليمن، المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، والمشرف على مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية المهمة للتجارة العالمية إن هذا الموقع يجعل استقرار اليمن قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، ويؤكد أن التعامل مع أزمته ينبغي أن ينطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

إن أمن اليمن جزء من أمن محيطه العربي، واستقراره مصلحة مشتركة لدول الخليج ومصر وسائر دول المنطقة غير أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب احترام سيادة اليمن، ودعم وحدته، ومساندة أبنائه في بناء دولة قادرة على حماية أرضها ومصالحها، واتخاذ قراراتها باستقلالية.

فلا يمكن ضمان أمن الجوار على المدى الطويل من دون يمن مستقر، ولا يمكن بناء مستقبل عربي متماسك فيما تظل إحدى دوله الأساسية غارقة في حرب يستنزف شعبها ومقدراتها.

إن اليمن اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تستمر الانقسامات وتتفاقم معاناة الشعب، وإما أن تتقدم الحكمة الوطنية، وتنتصر لغة الحوار، وتتضافر الجهود من أجل استعادة الدولة وبناء السلام.

إن مسؤولية الإنقاذ تقع أولًا على عاتق اليمنيين أنفسهم، بمختلف انتماءاتهم ومكوناتهم، كما تقع على عاتق الأشقاء العرب مسؤولية المساندة الصادقة التي تعزز الحل السياسي، وتحترم الإرادة الوطنية، وتدعم إعادة الإعمار والتنمية.

حافظوا على اليمن، فاستقراره استقرار للمنطقة. ساندوا وحدة اليمن، فتماسكه قوة لمحيطه العربي. ادعموا سلامه وإعماره، فنهضته مكسب لشعوبه وأشقائه.

فالأوطان لا تُبنى بالحروب، ولا تُحمى بالانقسامات، ولا تنهض على أنقاض شعوبها، بل تُبنى بالعدالة، وتصان بالحكمة، وتستعيد عافيتها حين يصبح الإنسان وكرامته، والوطن ومصلحته، فوق كل اعتبار.