اليابان تبرعت بمليوني دولار لـ١٨ ألف نازح والمنظمات توزع العظام على النازحين
حين ترسل العاصمة اليابانية طوكيو -عبر بحار الدنيا وقاراتها- منحة سخية قوامها مليونا دولار، لترمم بها جراح ثمانية عشر ألف روح أرهقها النزوح، فإن أي عقل بشري سوي يفترض أن الحسبة بسيطة كجدول الضرب: مئة ألف دولار لكل عائلة تعيد تركيب شتات بيتها المهدوم! لكن، ما إن تطأ أقدام تلك الأموال أرض الواقع وتستنشق هواء "السماسرة المحليين"، حتى تحدث المعجزة الكيميائية التي تقف أمامها قوانين الفيزياء عاجزة؛ فتتلاشى الملايين الطائلة في ثقوب سوداء غامضة، ولا ينزل على رأس النازح المسكين من سماء "الفرج الأممي" سوى مئتي ريال سعودي، وفراش بالٍ، وبطانية خشنة تحرسها رائحة الرطوبة والذل!
لصوص "علي بابا" الأسطوريون باتوا اليوم في حكم الشرفاء أمام عباقرة النهب الإغاثي، وأما المقترح الذي يطل برأسه من بين ركام الخيام، فهو ألا تُسلّم المساعدات إلا عبر مندوب أجنبي يهبط من السماء كالملاك الحارس ويسلمها "يداً بيد"، لعل وعسى ينجو النازح من مقصلة "أرباب الفتات"!
هندسة "الصفر الكبير"
الشيخ صالح المفلحي (الشخصية السياسية والإدارية ومسؤول محلي سابق) يشحذ قلمه الساخر ويقول: "يا ريتنا ما سمعنا بمليونية اليابان ولا عرفنا لطوكيو طرييقاً! المانحون يأتون بنوايا بيضاء كثلج جبل فوجي، لكن ما إن تمر المنحة عبر مرشحات الفساد المحلي حتى تتحول إلى مسحوق ذائب! المعادلة لدينا مذهلة وبسيطة: اضرب الملايين في صفر، وقسم العظام المكسورة على النازحين. لو أن الحكومة اليابانية أرسلت منحتها مع طيور السلوى لأوصلتها كاملة غير منقوصة، لكنها للأسف وصلت عبر 'كباريهات' الإغاثة ومقاصف السماسرة!"
النبض الشعبي والشبابي: بطانية تستر عورة الملايين
الكابتن ناصر الحبيشي (القيادي الشبابي والميداني في المخيم) يروي ملحمة الطابور الطويل قائلاً: "تخيل أن تقف في طابور العذاب منذ صلاة الفجر، تمني نفسك والنازحين بالفرج القريب والمليون الذي سيغير مجرى الحياة، لتنتهي الملحمة الكبرى بـ 200 ريال سعودي وبطانية تخرقها الرياح من كل جانب! لصوص علي بابا كانوا أرحم بضعف المرات؛ كانوا يسرقون الذهب ويتركون للضحية كرامتها معلقة على حبل الغسيل، أما لصوص الإغاثة اليوم فيسرقون المساعدة كاملة، ثم يمنونك بالبطانية وكأنهم أهدوك تذكرة سفر للجنة!"
دموع الفرح التي تحولت إلى "صدمة عصبية"
الدكتورة أروى الحداد (الأكاديمية والنازحة المخضرمة) تضحك بدموع مريرة وتوضح: "المشهد بمجمله مسرحية كوميدية سوداء تبكي الحجر. عندما أعلنت اليابان عن المليونين دولار، جمعت العجائز في المخيم آلاتهن الحاسبة البدائية وقمن بالقسمة، فوجدن أن كل نازح ملك زمانه بمئة ألف دولار! جلسن ينتظرن ثروة تستر العوز، ففاجأهن موظف الإغاثة بابتسامة صفراء وهو يناولهن مئتي ريال لزوم الصدمة العصبية، وفراشاً لكي يناموا على ضيم الحال. ألا لعنة الله على كل سمسار تاجر بأنفاس الجياع وكسرة خبزهم!"
حراسة مشددة لـ "موكب اللصوص"
العقيد المتقاعد محسن الضبيبي (الخبير بالشأن العسكري والميداني) يصف المفارقة بمرارة لا توصف: "في العرف العسكري والأخلاقي، حماية قوافل الغوث والإنسانية هي ذروة الشرف، لكننا وجدنا أنفسنا أحياناً نحرس اللصوص أنفسهم وهم يوزعون الفتات على الضحايا!
المندوب يطل عليك بسيارة دفع رباعي فارهة تكفي لبناء مدرسة، ويوزع الكوبونات بحراسة مشددة كأنه يحمي خزنة بنك المركز، بينما النازح يعود بخفي حنين وبطانية مهترئة لا تقي حتى قطة من صقيع الشتاء. هؤلاء لو أؤمنوا على مخزن من التونة لسرقوا حتى العلب الفارغة!"
بورصة "الخردة الإغاثية"
الحاج أحمد الحمادي (التاجر ورجل الأعمال المحلي) يدخل على خط السخرية الاقتصادية بالقول: "يا رجل، هذا إنجاز عبقري يجب أن يُدرس في جامعات العالم للجرائم الاقتصادية! كيف تستطيع أن تحول مليوني دولار إلى 'بضاعة خردة' وبطانيات منتهية الصلاحية دون أن يرتجف لك جفن؟ الحل الوحيد الذي يضمن بقاءنا أحياء هو مقترح المندوب الأجنبي: أن ترسل الدول المانحة مندوبين حفاة يمشون بين الخيام ويسلمون الأموال يدا بيد، أو عبر طائرات درون مباشرة لجيوب المستحقين، وإلا فإن اللصوص سيبيعون خيام النازحين أنفسهم في سوق النخاسة!"
مسرح العبث ومقترح "الدرون الإغاثي"
الكاتب الصحفي فؤاد العديني يختم اللوحة السريالية بالقول: "نحن نعيش داخل لوحة سريالية متكاملة: يابان تبني جسور الأمل من أقصى الأرض، ועصابات محلية تهدمها في خمس دقائق ببطانية مهترئة وفراش بالٍ.
المقترح الذي تقدم به المواطن المقهور بإرسال مندوب أجنبي مستقل لتسليم المساعدات باليد هو طوق النجاة الوحيد، لعلنا نتخلص من لصوص فاقوا كل أساطير الأرض في السرقة على عينك يا تاجر!"
ختام القصة: رحمة طوكيو وسجين مقصلة الإغاثة
إن المأساة التي تعيشها أجساد النازحين المنهكة اليوم ليست مجرد خطأ إداري أو تعثرٍ طارئ في آليات التوزيع، بل هي جريمة مكتملة الأركان تُرتكب جهاراً نهاراً في وضح النهار وأمام أعين العالم. لقد غدت أموال المساعدات الدولية، التي تُبحر عبر المحيطات بذمة إنسانية ناصعة، طعمةً سائغة لحيتان الفساد وسماسرة الأزمات الذين يتغذون على أنين المستضعفين ودموع الجياع. إن تحويل ملايين المانحين الشرفاء إلى بطانيات خشنة وفتات دراهم يسخر من كرامة الإنسان، هو تجسيد حي لأبشع صور السقوط الأخلاقي والضميري في تاريخ الإغاثة. لم يعد النازح بحاجة إلى مزيد من البيانات الورقية أو الوعود البراقة، بل هو بحاجة ماسة إلى ثورة في آليات التوزيع تخلع أيدي اللصوص عن قوته وتسترد له حقه المسلوب. وإلى أن يصل ذلك "المندوب الشريف" أو تتحقق معجزة "الدرون الإغاثي"، ستبقى هذه القصة وصمة عار تلاحق كل من تاجر برغيف المحتاج وجعل من وجع النزوح استثماراً رابحاً. إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين استبدلوا بلسم الجراح بمزيد من الأسى، وستظل صرخة هؤلاء النازحين تُلاحق ضمائر العابثين حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.