تعز لا ينقصها من يبيعها مزيدًا من الوجع

منذ 3 أيام
مشاركة الخبر:

في تعز، لم يعد المواطن يحتاج إلى من يذكّره بالحرب؛ فالحرب تسكن تفاصيل حياته، وتلاحقه حتى في لقمة عيشه. يذهب إلى السوق حاملًا ما تيسر من المال، ويعود بنصف حاجاته، بعدما اكتشف أن الأسعار أسرع من دخله، وأن راتبه، إن كان له راتب، لم يعد يكفي لتدبير أبسط متطلبات أسرته.

لقد تعبت تعز بما يكفي، ولا ينقصها أن تتحول أسواقها إلى جبهة جديدة تستنزف ما تبقى في جيوب أبنائها. فالمواطن الذي صبر على أوجاع الحرب، لا يجوز أن يُترك وحيدًا أمام غلاء لا يعرف أسبابه، وأسعار تتفاوت من متجر إلى آخر، وسط تساؤلات مشروعة عن غياب الرقابة والمحاسبة.

لسنا نتهم التجار جميعًا، فالتجارة حق مشروع، والربح ضرورة لاستمرارها، لكن استغلال حاجة الناس ليس حقًا، وتحويل الأزمات إلى فرصة لمضاعفة المكاسب ليس نجاحًا تجاريًا. هناك فرق بين تاجر تفرض عليه التكاليف الحقيقية رفع الأسعار، وآخر يجد في معاناة الناس فرصة لزيادة أرباحه بلا مبرر واضح. ومن حق المواطن أن يعرف لماذا يدفع أكثر، ومن واجب الجهات المختصة أن تتحقق من الأسعار وتضبط المخالفات.

يا تجار تعز، تذكروا أن وراء كل سلعة أسرة تحاول البقاء، وأبًا يحسب ما تبقى في جيبه، وأمًّا تعيد ترتيب احتياجات مطبخها، وأطفالًا قد يُحرمون من ضرورياتهم لأن الأسعار لم تعد ترحم. ليس مطلوبًا منكم أن تتحملوا وحدكم أعباء الأزمة، لكن المطلوب ألا تزيدوا أوجاع الناس، وألا تجعلوا حاجتهم إلى الغذاء بابًا لاستنزافهم.

أما مكتب الصناعة والتجارة، فالسؤال الذي يفرض نفسه: أين دوركم في حماية المستهلك وضبط الأسواق؟ لا يكفي أن تحمل المؤسسات أسماء رسمية أو تطلق حملات مؤقتة، بل يجب أن يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية. المطلوب إشهار الأسعار، ومراقبة السلع الأساسية، والتحقق من تفاوت الأسعار، واستقبال الشكاوى، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، دون ظلم التاجر الملتزم أو تحميله مسؤولية ظروف خارجة عن إرادته.

صحيح أن الغلاء له أسباب تتجاوز أحيانًا قدرة الجهات المحلية، لكن ذلك لا يبرر ترك الأسواق بلا رقابة فاعلة. فهناك فرق بين العجز عن التحكم في الظروف الاقتصادية، والعجز عن تطبيق القانون على المخالفين. والمواطن لا يطلب معجزة؛ إنه يريد سوقًا واضحة الأسعار، وتجارة تحترم حاجته، ومؤسسات تؤدي واجبها بدل أن تتركه يواجه مصيره وحده.

تعز التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل البقاء، لا تستحق أن يصبح شراء الخبز والزيت والدقيق معركة يومية أخرى. فالصمود لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بقدرة الناس على العيش بكرامة، وبمدى شعورهم بأن مجتمعهم ومؤسساته لا يتخلون عنهم حين تشتد الأزمات.

يا تجار تعز، ويا مكتب الصناعة والتجارة، ارحموا المواطن؛ فقد أثقلته الحياة بما يكفي. اجعلوا التجارة بابًا للرزق، والرقابة وسيلة لحماية الحقوق، والقانون مرجعًا للجميع. فالأرباح تُحصى بالأرقام، لكن المواقف تُحفظ في ذاكرة الناس.

تعز لا تحتاج إلى من يتاجر بأوجاعها، بل إلى من يخفف عنها.