مراجعة سياسات الاحتواء: هل حان الوقت لمعالجة أخطاء التعامل مع الأزمة اليمنية؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم تكن المشكلة في سعي المجتمع الدولي إلى إنهاء الحرب في اليمن، بل في الاعتقاد بأن احتواء الأزمة يكفي لمعالجتها، وأن الوساطات المتكررة قادرة وحدها على تغيير سلوك مليشيا تتمسك بالسلاح وتستخدمه لفرض شروطها السياسية. فعلى مدى عقد، تعاقبت المبادرات والتفاهمات، لكن السلام ظل بعيدًا، فيما أتاح استمرار التهدئة للحوثيين فرصًا لتثبيت نفوذهم، من دون تقدم موازٍ نحو استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام المسلح.

 وكشفت التجربة خللًا جوهريًا في المقاربة الدولية: التعامل مع خفض التصعيد باعتباره إنجازًا قائمًا بذاته، بدلًا من كونه خطوة نحو تسوية ملزمة. فالدبلوماسية التي لا تقترن بضمانات للتنفيذ وآليات للمساءلة قد تجمّد الصراع مؤقتًا، لكنها لا تعالج أسبابه.

ولم تعد تداعيات هذا الخلل محصورة داخل اليمن؛ فالهجمات العابرة للحدود وتهديد الملاحة الدولية أظهرا أن استمرار نفوذ الجماعات المسلحة بات مصدرًا لاضطراب إقليمي يتجاوز حدود الدولة اليمنية. وفي الداخل، تتواصل كلفة الصراع على المدنيين، من الحصار والنزوح وانهيار الخدمات إلى الانتهاكات المنسوبة إلى الحوثيين، ومنها تجنيد الأطفال والاعتقالات التعسفية واحتجاز موظفين أمميين. 

وهذه الوقائع تضع المجتمع الدولي أمام اختبار يتجاوز بيانات القلق: تحويل الالتزامات المعلنة بحماية المدنيين إلى إجراءات عملية للمساءلة والردع، بدلًا من السماح للاعتبارات السياسية بأن تؤجل معالجة الانتهاكات.

إن مراجعة سياسات الاحتواء لا تعني إغلاق باب التفاوض أو الدعوة إلى الحرب، بل إنهاء الاعتقاد بأن التهدئة غاية نهائية. فالتفاوض ضرورة، لكنه يفقد جدواه حين لا يقترن بالتزامات قابلة للتحقق، أو يتحول إلى غطاء لاستمرار سلطة السلاح خارج مؤسسات الدولة. 

ويقتضي تصحيح المسار ربط أي تسوية بوقف الهجمات، وحماية المدنيين، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا، ووقف تجنيد الأطفال، وضمان وصول المساعدات، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة اليمنية وتمكينها من بسط سلطتها وفق القانون. كما يتطلب موقفًا دوليًا واضحًا يجعل احترام الالتزامات شرطًا لاستمرار التفاهمات، لا بندًا يمكن تجاوزه كلما تعثرت المفاوضات.

ولا تنفصل هذه الأولويات عن أمن دول الجوار وحرية الملاحة، لكن حماية المصالح الإقليمية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن استعادة الدولة اليمنية؛ فإدارة التهديد إلى أجل غير معلوم لا تصنع استقرارًا، بل تبقي المنطقة رهينة احتمالات التصعيد. وبعد عشرة أعوام من الحرب، لم يعد السؤال ما إذا كان السلام أولوية، بل ما إذا كانت السياسات المتبعة تقود إليه فعلًا. فثمة فرق بين احتواء الأزمة وإنهائها، وبين خفض التصعيد ومعالجة الشروط التي تسمح بتجدده.

اليمن لا يحتاج إلى دورة جديدة من الوعود بقدر ما يحتاج إلى تسوية تعيد الاعتبار للدولة، وتحمي حقوق المواطنين، وتضع حدًا للإفلات من المساءلة. والاعتراف بقصور المقاربات السابقة ليس انتقاصًا من الدبلوماسية، بل شرط لاستعادة فعاليتها. فنجاح أي سياسة لا يُقاس بعدد المبادرات والاتفاقات المعلنة، وإنما بقدرتها على إنهاء الحرب ومنع تجددها، وإعادة القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة. أما استمرار إدارة الأزمة من دون معالجة جذورها، فلن ينتج سلامًا، بل سيؤجل المواجهة ويضاعف كلفتها.