تعز.. قلب اليمن النابض وصخرة الصمود في وجه المشروع الحوثي

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليست تعز مجرد مدينة يمنية أنهكها الحصار وأثقلتها الحرب، بل هي حكاية صمود متجددة، ورمز وطني ارتبط بالدفاع عن الحرية والجمهورية والهوية اليمنية. فمنذ اندلاع الحرب، واجهت المدينة حصارًا طويلًا وضغوطًا عسكرية وإنسانية قاسية، لكنها ظلت متمسكة بالحياة، رافضة أن يتحول الخوف إلى استسلام، أو أن تُنتزع إرادة أبنائها بالقوة. وفي وجدان اليمنيين، تجسد تعز قدرة المجتمع على مقاومة الحرب والتمسك بأمل استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

وتحتل تعز مكانة بارزة في الوجدان اليمني بوصفها مركزًا ثقافيًا ومعرفيًا ارتبط تاريخها بالتعليم والفكر والأدب والانفتاح على الحياة. ولم تكن الثقافة فيها مجرد موروث اجتماعي، بل إحدى ركائز الوعي الذي يستند إليه أبناؤها في الدفاع عن حريتهم وحقهم في اختيار مستقبلهم. ومن هنا، اكتسبت مقاومتها بُعدًا يتجاوز المواجهة العسكرية؛ فهي تمسك بقيم المواطنة، ورفض لفرض الوصاية الفكرية والسياسية بالقوة، وإصرار على أن يظل العقل والمعرفة أساسًا لبناء الدولة والمجتمع.

وقد دفعت المدينة ثمنًا باهظًا جراء الحرب والحصار، إذ واجه سكانها صعوبات في التنقل والحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، وسط مخاطر القصف والقنص التي طالت الأحياء السكنية. ومع ذلك، لم تتوقف الحياة فيها؛ فقد تحولت الطرق الجبلية الوعرة إلى منافذ حيوية لتلبية الاحتياجات اليومية، وأصبح تجاوز العوائق جزءًا من معركة البقاء. ولم يكن صمود تعز مجرد قدرة على تحمل المعاناة، بل تعبيرًا عن رفض تحويل المدنيين إلى رهائن في الصراع، وعن تمسك مجتمع بأكمله بحقه في الحياة والأمان والحرية.

ومنذ بدايات الحرب، انخرط أبناء تعز، من مختلف الفئات الاجتماعية، في الدفاع عن مدينتهم وإسناد جبهات المواجهة، وسط ظروف صعبة وإمكانات محدودة. وبرزت، إلى جانب المقاتلين، أدوار المدنيين والنساء والشباب والمثقفين والمبادرات المجتمعية التي سعت إلى توفير الاحتياجات الأساسية، ومساندة المتضررين، والحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الحياة. وقد أظهرت هذه التجربة أن قوة المدن لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، بل بتماسك مجتمعها وقدرته على حماية نسيجه الاجتماعي رغم الانقسام والعنف.

وعلى الرغم من القصف والدمار وشح الموارد، واصلت تعز التمسك بمظاهر الحياة؛ فاستمرت المدارس والجامعات في أداء دورها حيثما سمحت الظروف، وظلت المبادرات المجتمعية تحاول تخفيف آثار الحرب، فيما تمسك الأهالي بأفراحهم وتطلعاتهم إلى مستقبل أكثر أمنًا. وفي هذه التفاصيل اليومية تكمن دلالة صمود المدينة؛ فمقاومة الحرب لا تقتصر على المواجهة في الجبهات، بل تشمل حماية التعليم، وصون الكرامة الإنسانية، والحفاظ على الأمل لدى الأجيال الجديدة. إنها معركة من أجل ألا يصبح الدمار قدرًا دائمًا، وألا تفقد الحياة معناها تحت وطأة السلاح.

ولا تتوقف رمزية تعز عند حدودها الجغرافية، بل تتصل بقضية وطنية أوسع تتمثل في استعادة مؤسسات الدولة، وترسيخ المواطنة، وإنهاء سلطة السلاح خارج إطار القانون. غير أن استمرار المعاناة يفرض ألا يظل الحديث عن الصمود بديلًا عن الاستجابة العملية لاحتياجات السكان؛ فالمدينة تحتاج إلى حماية المدنيين، وتحسين الخدمات، وفتح الطرق، وتوفير مقومات التعافي، إلى جانب دعم مسار سياسي يضمن سلامًا مستدامًا ويعيد الاعتبار لحقوق اليمنيين.

إن الوفاء لتعز لا يتحقق بالاحتفاء الرمزي وحده، بل بتحويل التضحيات التي قدمها أبناؤها إلى التزام وطني جاد بإنهاء الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وبناء دولة تحمي مواطنيها دون تمييز. فالصمود، مهما بلغت قوته، لا ينبغي أن يكون مبررًا لاستمرار المعاناة أو تأجيل الحلول، بل حافزًا لمضاعفة الجهود من أجل مستقبل يليق بتضحيات السكان.

تحية لتعز، أرضًا وإنسانًا؛ لمقاتليها في الجبهات، ولنسائها الصابرات، ولمثقفيها وشبابها، ولأرواح شهدائها الذين ارتبطت تضحياتهم في الوجدان اليمني بالدفاع عن الحرية والجمهورية. ستظل تعز جزءًا أصيلًا من قصة اليمن، بما تحمله من ألم وصمود وأمل، وبما تجسده من تمسك بحق اليمنيين في دولة عادلة، وسلام يحفظ الكرامة، ومستقبل لا تحكمه البنادق.