تعز اليمنية: ملحمة الوعي في مواجهة الحصار الحجري

منذ 49 دقيقة
مشاركة الخبر:

في جغرافيا الأزمات الممتدة، ثمة مدن تُختصر في هويتها حكاية شعب بأكمله. وفي اليمن، تظل محافظة "تعز" هي ذلك الرمز العصي على الانكسار، والنموذج الحي للمدينة التي زاوجت بين أسمى أدوات المدنية وأقسى مقتضيات الدفاع عن الوجود. لطالما عُرفت تعز بأنها عاصمة الثقافة، والبيئة الولادة للمفكرين والأدباء الذين قادوا التحولات المعرفية في البلاد مستندين إلى قوة "القلم"، لكنها حين وُضعت في أتون المعارك، أثبتت أن اليد التي تقرأ وتكتب هي ذاتها اليد التي تحمي الكرامة وتتقن حمل السلاح.

يتجلى عمق المأساة والبطولة في تعز اليوم من خلال الحصار الجائر والخناق الحجري الذي يطوقها منذ سنوات طويلة. هذا الحصار الذي قطع شرايين الحياة، وحوّل رحلة الدقائق المعدودة بين القرى والمدينة إلى رحلات موت شاقة تستغرق ساعات عبر طرق جبلية وعرة وخطيرة. ورغم هذه العزلة القسرية ومحاولات الخنق الممنهج، لم تسقط المدينة في فخ الاستسلام، بل تحول الحصار إلى دافع إضافي لتمسك أبنائها بخيار المقاومة والصمود.

لقد كان القلم، ولا يزال، هو السلاح الأول لأبناء تعز؛ به واجهوا سياسات التجهيل، وبه بنوا مجدهم ومؤسساتهم. استثمرت العائلات في التعليم كخيار استراتيجي لا بديل عنه، وتحولت قراها وجبالها إلى مدارس مفتوحة. لكن حين زحفت آلات الدمار وحاصرت الميليشيات أسوارها مهددة نظامها الجمهوري وإرثها المدني، حدث التحول العظيم؛ إذ لم يتردد حَمَلة الأقلام في حَمْل البنادق لردع العدوان.

لم تكن البندقية في يد ابن تعز خياراً أصيلاً بل ضرورة فرضها الدفاع عن الحق في الحياة. تحول المعلم، والطبيب، والمهندس، والطالب الجامعي إلى مقاتلين في خطوط الدفاع الأمامية. هذا المزيج الفريد من الوعي والشجاعة هو الذي كسر أوهام الهيمنة السريعة على المدينة، وأثبت للعالم أن المدنية والوعي هما الوقود الحقيقي لصلابة المقاتل في الميدان.

إن ما يميز ملحمة تعز تحت الحصار الحالي، هو أن جبهة المعرفة لم تتوقف يوماً لصالح جبهة القتال؛ ففي أحلك ظروف القصف والعزل، لم تغلق المدارس والجامعات أبوابها. كان الطلاب يعبرون الطرق البديلة الوعرة ويتحدون رصاص القناصة ليصلوا إلى مقاعد الدراسة، في مشهد أسطوري يبرهن على أن التعليم في تعز هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرر والوجود.

ستبقى تعز وعزيمتها تحت الحصار درساً بليغاً في التاريخ العربي المعاصر؛ مفاده أن المدن التي تتسلح بالوعي لا يمكن خنقها أو تطويعها. لقد انتصرت تعز لثقافتها وحريتها، وأكد أبناؤها للعالم بأسره أن الحصار مهما طال واشتد، لن ينال من عزيمة أمة تحمِل القلم بيمينها لتبني، وتذود بالسلاح بيسارها لتحمي ذلك البناء.