ما ..يجب على القيادة في معركة « فجر اليمن» قراءة سياسية وعسكرية في أولويات استعادة الدولة وتحريرالأرض
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأوطان، لا يكفي إعلان المعارك ولا رفع الشعارات، بل تتطلب المرحلة قيادة تمتلك الرؤية والإرادة، وتُحسن إدارة المعركة سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وتوحّد الصفوف خلف هدف وطني جامع.
إن معركة «فجر اليمن»، في رؤيتها الوطنية، يجب أن تكون مشروعًا لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وفي مقدمتها المناطق التي تشكل أهميتها الاستراتيجية والإنسانية امتدادًا لمعاناة تعز وأبنائها.
ومن هنا، أضع أمام القيادة الشرعية جملة من الأولويات التي أراها ضرورية لإنجاح المعركة، وتعزيز الثقة الشعبية، وتحويل التضحيات إلى نتائج ملموسة على الأرض.
أولًا: إعطاء الوازعية والحجرية أولوية في الحسابات الاستراتيجية
إن الوازعية والحجرية تمثلان منطقتين مهمتين في المشهد الجغرافي والعسكري لمحافظة تعز، وأي تحرك لاستعادة الأمن وفتح الطرق وإنهاء التهديدات المحيطة بالمحافظة ينبغي أن يقوم على تقدير دقيق لأهمية هذه المناطق واحتياجات سكانها.
وعلى القيادة الشرعية وضع خطة متكاملة لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي، بالتنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسلطات المحلية، مع توفير الإسناد اللازم للقوات وفق تقدير القيادة المختصة، وبما يضمن سلامة المدنيين ويحد من الخسائر.
إن المطلوب ليس تحركًا مؤقتًا ينتهي عند حدود استعادة منطقة، بل مسار يضمن تثبيت الأمن، وحماية الطرق، وإعادة الخدمات، ومنع عودة الفوضى.
فاستعادة الأرض لا تكتمل إلا بتأمينها وإعادة الحياة إلى أهلها.
ثانيًا: توحيد الخطاب الإعلامي والاعتماد على المصادر الرسمية
في الحروب الحديثة، لا تقل أهمية المعركة الإعلامية عن أهمية القرار السياسي والعسكري؛ فالإشاعة قد تربك المجتمع، والتصريح غير المسؤول قد يضر بالثقة العامة، والمبالغة في إعلان الانتصارات قد تتحول إلى عبء على القيادة عندما تتعارض مع الوقائع.
لذلك، فإن المطلوب إنشاء منظومة إعلامية موحدة لمعركة «فجر اليمن»، تعتمد على المعلومات الموثوقة والبيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المخولة، مع تحديد متحدث رسمي واضح الصلاحيات، وتوضيح دور الناطق الرسمي النزيلي وفق صفته الرسمية المعتمدة.
كما ينبغي تنظيم التصريحات المتعلقة بالمعلومات العسكرية الحساسة، والامتناع عن نشر التحركات والمواقع والتفاصيل التي قد تعرّض القوات أو المدنيين للخطر، مع احترام حرية الصحافة والنقد المهني المسؤول.
أما المحللون والإعلاميون، فدورهم مهم في تفسير الأحداث وطرح الأسئلة ومراقبة الأداء، لكن عليهم التمييز بين التحليل والرواية الرسمية والمعلومة المؤكدة، وعدم تقديم التكهنات باعتبارها حقائق.
المعركة الإعلامية الناجحة لا تخفي الحقيقة، بل تحميها من التضليل وتبني ثقة الناس.
ثالثًا: عودة القيادة إلى الداخل اليمني وتعزيز الإدارة الميدانية
إن وجود القيادة السياسية والعسكرية بالقرب من مؤسسات الدولة والمواطنين يمنح القرار الوطني صلة مباشرة بالواقع، ويعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويتيح متابعة أداء المؤسسات بصورة أكثر فاعلية.
ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز حضور القيادة الشرعية داخل الأراضي المحررة، وتفعيل مؤسساتها، والاقتراب من المواطنين والجنود والجرحى وأسر الشهداء والنازحين.
ولا يعني ذلك أن مكان القيادة وحده هو معيار النجاح؛ فالأهم أن تكون هناك إدارة مؤسسية حقيقية، وسلسلة واضحة للمسؤولية، ومراكز قرار تعمل بتنسيق وانضباط، وتخضع للمساءلة.
كما أن إدارة المعركة يجب أن تستند إلى معلومات دقيقة، وتقييم مستمر للنتائج، وقدرة على تصحيح الأخطاء، لا إلى ردود الأفعال أو الحسابات الشخصية.
إن استعادة الدولة تبدأ باستعادة ثقة المواطن بمؤسساتها، وتلك الثقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالحضور والعمل والإنجاز.
رابعًا: تعزيز الشراكة مع المملكة العربية السعودية
إن أمن اليمن واستقراره يرتبطان بأمن المنطقة، وتظل الشراكة مع المملكة العربية السعودية ذات أهمية سياسية وأمنية وإنسانية كبيرة في دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
ومن الضروري أن تعمل القيادة الشرعية على تحويل هذه الشراكة إلى إطار واضح من التنسيق والدعم، يشمل الاحتياجات اللوجستية والإنسانية، وتعزيز القدرات الدفاعية، والتدريب، وتبادل المعلومات وفق الأطر المتفق عليها، إلى جانب دعم المؤسسات الاقتصادية والخدمية.
كما ينبغي أن تكون الأولويات اليمنية واضحة، وأن يُدار التعاون بما يعزز قدرة الدولة على حماية مواطنيها واستعادة مؤسساتها، ويحفظ القرار الوطني ويمنع تشتت الجهود.
إن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب الرؤية الوطنية أو ضعف المؤسسات؛ فالنجاح يتطلب قيادة مسؤولة، وشراكة واضحة، وأهدافًا قابلة للقياس.
الشراكة الحقيقية هي التي تعزز قدرة اليمنيين على بناء دولتهم، وتحمي مستقبلهم واستقرارهم.
خامسًا: إنهاء المناكفات الحزبية والمناطقية وتوحيد الصف الوطني
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح بينما تُستنزف طاقات أبنائه في صراعات الأحزاب والحسابات المناطقية والمنافسة على النفوذ.
إن معركة استعادة الدولة أكبر من حزب أو جماعة أو منطقة، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو فرض المصالح الخاصة.
وعلى القوى السياسية والمكونات الوطنية الاتفاق على حد أدنى من الأولويات المشتركة، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحماية المواطنين، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، ومكافحة الفساد، وضمان الشراكة العادلة في إدارة المناطق المحررة.
كما يجب احترام التنوع السياسي والاجتماعي، ومعالجة الخلافات عبر الحوار والمؤسسات والقانون، بدلًا من التخوين المتبادل أو الإقصاء.
إن الوصول إلى صنعاء واستعادة الدولة لا يتحققان بمجرد إعلان الهدف، بل ببناء جبهة وطنية متماسكة تستطيع إدارة المناطق المحررة، وكسب ثقة المجتمع، وتقديم نموذج أفضل في الحكم والخدمات والعدالة.
فلا يمكن بناء دولة موحدة بعقلية الفرقة، ولا تحقيق مشروع وطني بحسابات المصالح الضيقة.
سادسًا: محاسبة القيادات المقصرة والمتورطين في تسليم المناطق
إن أحد أهم أسباب تراجع الثقة الشعبية هو شعور المواطنين بأن بعض الإخفاقات الكبرى تمر دون تحقيق أو مساءلة، وأن المسؤولية تضيع بين المناصب والولاءات.
وعليه، فإن المطلوب إجراء تحقيقات مهنية ومستقلة في حالات سقوط المناطق وتسليمها، وتحديد أوجه القصور والقرارات التي أدت إلى الخسائر، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الخيانة أو الفساد أو الإهمال الجسيم، وفق الأدلة والقانون.
ويجب ألا تقتصر المساءلة على القيادات العسكرية، بل تشمل كل مسؤول مدني أو أمني أو اجتماعي ثبت تورطه في أعمال غير قانونية أو استغلال النفوذ للإضرار بالمصلحة العامة.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بين الخيانة المثبتة، والخطأ في التقدير، والعجز عن أداء المهمة، والظروف الميدانية الخارجة عن السيطرة؛ فلكل حالة مسؤوليتها وإجراءاتها القانونية.
كما يجب حماية الشهود، وتوثيق الأدلة، وضمان محاكمات عادلة، بعيدًا عن تصفية الحسابات السياسية أو الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة.
إن المحاسبة العادلة لا تضعف المؤسسة، بل تحميها من تكرار الأخطاء، وترسل رسالة واضحة بأن المناصب مسؤولية وليست حصانة.
سابعًا: وضع المواطن في قلب المعركة
لا ينبغي أن تُقاس نتائج «فجر اليمن» بالمكاسب العسكرية وحدها، بل بما تحققه من أمن للناس، وفتح للطرق، وتوفير للغذاء والدواء، وحماية للمدارس والمستشفيات، وعودة للحياة الطبيعية.
وتزداد هذه الأولوية إلحاحًا في تعز، حيث تتفاقم معاناة المدنيين مع إغلاق الطرق وتعطل الإمدادات وتدهور الخدمات. وقد حذرت الأمم المتحدة في 20 أكتوبر 2026 من تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في المحافظة، ومن نقص الوقود والإمدادات الطبية والمياه.
لذلك، يجب أن تترافق أي تحركات لاستعادة المناطق مع خطط إنسانية واضحة لإغاثة المتضررين، وتأمين وصول المساعدات، وحماية النازحين، وإعادة الخدمات الأساسية.
كما ينبغي احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات أيًا كانت الجهة التي ينتمون إليها.
فالمواطن اليمني الذي تحمل سنوات الحرب يستحق أن يرى في استعادة الدولة بدايةً للأمان والكرامة، لا انتقالًا من معاناة إلى أخرى.
ثامنًا: بناء خطة وطنية لما بعد استعادة المناطق
من الأخطاء الاستراتيجية أن ينصب الاهتمام على استعادة الأرض دون إعداد تصور واضح لإدارتها بعد ذلك.
لذلك، ينبغي أن تسبق استعادة المناطق أو ترافقها خطط مدنية وأمنية لإعادة المؤسسات، وتأمين الممتلكات، وإزالة مخلفات الحرب، وإعادة تشغيل المرافق، ودفع الرواتب، ومكافحة الفساد، وتسهيل عودة النازحين بصورة آمنة وطوعية.
كما يجب أن تكون هناك معايير واضحة لقياس التقدم، تشمل تحسن الأمن، وانتظام الخدمات، وعودة النشاط الاقتصادي، وانخفاض الانتهاكات، وتعزيز ثقة السكان بالسلطات المحلية.
إن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على استعادة المناطق، بل في قدرتها على إدارة تلك المناطق بالعدل والكفاءة واحترام القانون.
تاسعًا: الجمع بين الحسم السياسي والعمل العسكري والمسار الوطني
إن استعادة الدولة تحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، وتعزيز المؤسسات، وتوحيد القوى الوطنية، ورفع كفاءة الأداء العسكري والأمني ضمن القانون.
ولا ينبغي أن يتحول أي تقدم ميداني إلى مبرر لإهمال السياسة، كما لا ينبغي أن يصبح الحديث عن التسوية ذريعة لتعطيل واجب حماية المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة.
فالهدف النهائي ليس استمرار الحرب، بل إنهاء أسبابها وبناء سلام مستدام يحفظ لليمن سيادته ووحدته، ويضمن للمواطنين حقوقهم، ويعيد القرار الوطني إلى مؤسسات شرعية قادرة على إدارة البلاد.
وتؤكد الأمم المتحدة أن المكاسب الميدانية لا يمكن أن تحل محل المفاوضات اللازمة لإنهاء الصراع، وأن حماية المدنيين وتوفير أفق سياسي موثوق يظلان من متطلبات الخروج من الحرب.
الخلاصة: فجر اليمن مسؤولية وطنية
إن نجاح معركة «فجر اليمن» لا يتوقف على شجاعة المقاتلين وحدها، ولا على حجم الدعم الخارجي فقط، بل يعتمد على وضوح الهدف، ووحدة القرار، وكفاءة القيادة، وصدق الخطاب الإعلامي، وعدالة المحاسبة، وحضور الدولة في حياة الناس.
وعلى القيادة الشرعية أن تدرك أن المواطنين لم يعودوا ينتظرون مزيدًا من الوعود بقدر ما ينتظرون نتائج ملموسة تنهي معاناتهم، وتحفظ كرامتهم، وتفتح أمام أبنائهم طريقًا نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
إن تعز تستحق أن تنتهي معاناتها، واليمن يستحق دولة تتسع لجميع أبنائه، وتُدار مؤسساتها بالقانون والكفاءة، بعيدًا عن الفساد والإقصاء والمناطقية.
فجر اليمن ليس مجرد اسم لمعركة، بل يجب أن يكون بدايةً لاستعادة الدولة، وترميم الثقة،