الخروج على ولي الأمر .. فتنة تهدم الأوطان
تُعدّ قضية الخروج على ولي الأمر من القضايا التي تناولها الفقه الإسلامي في ضوء قواعد حفظ الأمن والاستقرار، ودرء الفتن، وتحقيق المصالح العامة. فالشريعة الإسلامية تحرّم الخروج على ولي الأمر، وتحثّ على تجنّب كل ما يؤدي إلى سفك الدماء، وتمزيق المجتمعات، وإشاعة الفوضى، لما قد تخلّفه تلك الأحداث من آثار مدمرة تمتد لعقود.
وتبرز أهمية هذه القضية في ارتباطها بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ إذ إن الخروج على ولي الأمر، وإسقاط الأنظمة بالفوضى والقوة، أو بوسائل تؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة، يفتح أبواباً واسعة للصراع الداخلي، ويهدد الأمن، ويعطل الخدمات، ويقوّض مقومات الحياة العامة.
وفي اليمن، لم تكن أحداث الربيع العربي مجرد أزمة سياسية عابرة، بل كانت نقطة تحوّل خطيرة فتحت أبواب البلاد أمام سنوات من الصراع والدمار والانقسام. فحين تتراجع هيبة الدولة، وتتصدع مؤسساتها، وتُستبدل الحلول السياسية بصراعات مفتوحة على السلطة، لا يكون الثمن مجرد مقعد سياسي أو تغيير نظام حاكم، بل يكون وطناً بأكمله ومستقبل أجيال كاملة.
إن التجارب التاريخية تؤكد أن إسقاط الأنظمة بطرق فوضوية يقود إلى فراغ خطير تتنازعه القوى المتصارعة، وتستغله الأطراف الداخلية والخارجية. ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية تقتضي النظر إلى نتائج التحولات السياسية، لا الاكتفاء بالشعارات التي رافقتها، ومقارنة الوعود بما آلت إليه الأوضاع على أرض الواقع.
لقد شكّلت أحداث الربيع في اليمن منعطفاً تاريخياً حاسماً، أعقبته تحولات سياسية وأمنية عميقة؛ حيث مثّل الخروج على نظام الرئيس السابق الشهيد علي عبد الله صالح بداية مرحلة من الاضطرابات التي أدت إلى إضعاف الدولة، وتفكك المؤسسة العسكرية والأمنية، وانقسام الصف الوطني، والانقلاب على الدولة، ثم اتساع دائرة الحرب والتدخلات الخارجية.
إن النتائج الكارثية لتلك الأحداث، وما شهدته البلاد ولا تزال تشهده حتى اليوم من صراعات، وانهيار في الخدمات، وتراجع في التنمية، وتدهور في الأوضاع الأمنية والمعيشية، كان يمكن تفاديها أو الحد منها لو تعاملت النخب السياسية والدينية آنذاك مع تلك الأحداث بحكمة وعقلانية، ووفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وبما يحقق المصلحة العامة، ويحفظ دماء اليمنيين ومؤسسات وطنهم ومقدراته.
لقد دفع اليمنيون ثمناً فادحاً؛ تمثّل في مدن مدمرة، وطرقات مقطوعة، ومؤسسات معطلة، ومدارس أنهكتها الأزمات، وأطفال ونساء يواجهون أخطار الحرب والألغام والقنص، وملايين يعانون الفقر والمرض، ويفتقرون إلى مقومات الحياة الكريمة. أما مشاريع البناء والإعمار، فقد تراجعت أمام أصوات المدافع، وتحولت طاقات المجتمع من مسارات التنمية والبناء إلى مواجهة تبعات الصراع وتداعياته.
إن أخطر ما في الفوضى السياسية ليس مجرد سقوط سلطة وصعود أخرى، بل انهيار القواعد التي تحفظ وحدة المجتمع واستمرار الدولة. فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تُحمى بتصفية الحسابات، وإنما تقوم على مؤسسات قوية، وقانون نافذ، وتوافق وطني يحول دون تفكيك الكيان الوطني، ويضمن التداول السلمي للسلطة، ومعالجة الخلافات بالوسائل السلمية والقانونية.
لقد أثبتت المأساة اليمنية أن هدم الدولة أسهل بكثير من إعادة بنائها، وأن إشعال الصراعات قد يستغرق أياماً، بينما تحتاج معالجة آثارها إلى عقود. ولذلك، فإن الواجب الوطني اليوم لا يتمثل في إعادة إنتاج الخصومات، بل في استخلاص العبر، واستعادة الدولة ومؤسساتها، ووقف نزيف الدم، وحماية النظام الجمهوري، وصون الوحدة الوطنية، وضمان الحقوق والحريات، وإرساء سلام عادل يقوم على سيادة القانون والشراكة الوطنية.
فاليمن أكبر من الأشخاص والأحزاب والسلطات، ودماء أبنائه أغلى من كل صراع على الحكم. والتاريخ لا يسأل الشعوب عن الشعارات التي رفعتها فحسب، بل يسألها أيضاً عن النتائج التي أفضت إليها قراراتها، وعن مدى قدرتها على تحمّل المسؤولية، وتصحيح المسار، وإنقاذ أوطانها من تكرار المآسي.