علي عبدالله صالح ومسيرته القيادية – قراءة وطنية في تجربة حكم امتدت 33 عاماً

 علي عبدالله صالح ومسيرته القيادية – قراءة وطنية في تجربة حكم امتدت 33 عاماً
مشاركة الخبر:

مقدمة:
في اليمن الحديث، قلّما ارتبطت شخصية بقيادة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما ارتبطت بشخصية الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي امتدت فترة حكمه من 17 يوليو 1978 حتى 21 فبراير 2012، حيث قاد البلاد شمالاً وجنوباً في واحدة من أكثر المراحل التاريخية تعقيداً وتحولاً. وبين مؤيد يرى في تجربته مساراً للبناء والإنجاز، وخصمٍ ينتقد ما شابها من اختلالات، يتفق الجميع على أن صالح مثّل مرحلة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، تركت أثراً لا يمكن تجاهله.

أولاً: تحقيق الوحدة اليمنية – الحدث الأبرز في تاريخ اليمن الحديث

1. من التشطير إلى الجمهورية الواحدة:
في 22 مايو 1990 تحقق الحدث الوطني الأهم في التاريخ اليمني المعاصر، بإعادة توحيد شطري الوطن في كيان سياسي واحد هو الجمهورية اليمنية. ولم تكن الوحدة مجرد دمج إداري، بل تتويجاً لنضال مرير خاضته الحركة الوطنية اليمنية في سبيل إنهاء الاستعمار والاستبداد، وتجسيداً لتكامل ثورتي سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963.

2. الوحدة كخيار نضالي لا صدفة سياسية:
لقد مهّد للوحدة تراكم نضالي طويل، امتد لعقود، تخلله الدم والتضحيات، حتى جاء التوقيع على اتفاقية 30 نوفمبر 1989 في عدن ليعلن المسار المؤسسي للتوحيد. وكان لصالح الدور القيادي الأبرز في الدفع باتجاه هذا المنجز، وتذليل العقبات أمام تحققه، عبر إرادة سياسية قوية وتوافق وطني واسع.

3. عدن.. ميدان الوحدة والنضال الوطني:
شهدت مدينة عدن التي كانت إحدى جبهات النضال ضد الاستعمار، رفع علم الجمهورية اليمنية في صباح يوم 22 مايو 1990، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الوطن، مرحلة عنوانها وحدة الهوية والمصير المشترك.

ثانياً: الرصيد السياسي والنضالي للرئيس صالح

ارتبطت قيادة صالح بالمشروع الوطني للثورة اليمنية – كامتداد طبيعي لأهدافها، وتكريس لمبادئها في مواجهة الاستبداد الإمامي شمالاً والاحتلال البريطاني جنوباً. ومثّلت قيادته استمرارية لمسار وطني انخرطت فيه كل القوى الوطنية، وتصدت من خلاله لمحاولات تشويه الهوية اليمنية وتفتيت النسيج الاجتماعي.

1. الوحدة والديمقراطية:
اختار صالح أن تكون الوحدة على قاعدة ديمقراطية تعددية، لا على أسس شمولية أو أحادية، وفتح المجال أمام التعدد السياسي والحزبي، وصار صندوق الاقتراع المرجعية في اختيار الحكّام.

2. الحوار والتسامح:
رغم التحديات الداخلية والصراعات السياسية، تمسك صالح بمبادئ الحوار الوطني والانفتاح السياسي، وأطلق أكثر من مبادرة للمصالحة، في إطار الحفاظ على وحدة الصف الوطني وحماية منجزات الثورة والدولة.

ثالثاً: اليمن الحديث.. خارطة منجزات شاملة

في ظل قيادة صالح، دخل اليمن مرحلة البناء والتحديث في كل المجالات، وظهرت ملامح الدولة الحديثة في البنى التحتية، التعليم، الصحة، الاتصالات، الطاقة، والقانون، مما أحدث نقلة نوعية في حياة اليمنيين:

1. البنية التحتية:

توسعت شبكة الطرق الريفية والرئيسية، ما ساعد في إنهاء العزلة وتعزيز التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين المحافظات.

إنشاء الجسور والمطارات والموانئ والربط بين القرى والمدن.

2. التعليم والصحة:

تأسيس آلاف المدارس والمعاهد والجامعات في مختلف المحافظات.

بناء المستشفيات والوحدات الصحية حتى في المناطق النائية.

الاهتمام بالكوادر التعليمية والطبية وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الأساسية.

3. الطاقة والنفط:

اكتشاف واستغلال الموارد الطبيعية من النفط والغاز.

إنشاء محطات كهرباء عملاقة لتغطية مختلف المحافظات.

4. الاتصالات والمواصلات:

بناء شبكة اتصالات حديثة، وربط جميع المناطق بشبكات الهاتف الثابت والمحمول.

5. القضاء والتشريع:

تطوير السلطة القضائية، وتفعيل المجمعات القضائية.

تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، بما يمثّل مفخرة وطنية.

6. الأمن والاستقرار:

بناء جيش وطني وأجهزة أمنية فعالة.

ترسيخ سلطة الدولة في جميع المناطق، حيث كان المواطن ينتقل بأمان من صعدة إلى المهرة دون خوف.

رابعاً: الاستثمار والتنمية في المحافظات الجنوبية والشرقية

بعد الوحدة، ركز صالح اهتمامه على تعويض ما لحق بالمحافظات الجنوبية من تهميش خلال العهد الاشتراكي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والمغتربين للمساهمة في التنمية.

1. بيئة استثمارية محفّزة:

إنشاء الهيئة العامة للاستثمار وتطبيق نظام "النافذة الواحدة".

تأسيس الهيئة العامة للأراضي والتخطيط العمراني لتسهيل المشاريع الاستثمارية.

2. المؤتمرات الاقتصادية:

مؤتمر فرص الاستثمار في 2007 الذي جذب استثمارات بـ3.7 مليار دولار.

مؤتمر الاستثمار السياحي والعقاري في حضرموت 2008 بـ3 مليارات دولار.

3. أرقام ومؤشرات:
من عام 1992 إلى 2008:

(2885) مشروعاً استثمارياً.

رأس مال استثماري بلغ 1.13 تريليون ريال.

أكثر من (71,906) فرصة عمل.

القطاع الصناعي نال النصيب الأكبر بـ(1377) مشروعاً.

قطاع السياحة بـ(455) مشروعاً.

القطاع السمكي بـ(150) مشروعاً، وغيره.

خامساً: سياسة خارجية مستقلة ومسؤولة

اعتمد الرئيس صالح على مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، وحرص على علاقات متوازنة مع الجميع، مبنية على الاحترام والمصالح المشتركة.

1. ترسيم الحدود:

أنهى ملف الحدود مع السعودية وسلطنة عمان وإريتريا، ما عزز استقرار البلاد.

2. الحضور الإقليمي والدولي:

عزز مكانة اليمن في المحافل الدولية والإقليمية، ودفع باتجاه دور فاعل في جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأمم المتحدة.

خاتمة:

33 عاماً من الحكم، بكل ما فيها من تحديات وتحولات، تشكل رصيداً تاريخياً يصعب تجاوزه أو اختزاله. فقد قاد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح اليمن من التمزق إلى الوحدة، ومن العزلة إلى الحضور الإقليمي، ومن الدولة الريعية إلى دولة المؤسسات. ورغم الأخطاء والاختلالات، فإن منجزات تلك المرحلة تظل حاضرة في وجدان اليمنيين، وتؤسس لقراءة عادلة لمسيرة رجل حكم اليمن في واحدة من أدق المراحل وأكثرها تعقيداً.

لقد واجهت الدولة في عهده صراعات، تمردات، حروب، مؤامرات داخلية وخارجية، لكنها بقيت واقفة على قدميها بفضل توازنات دقيقة، وحنكة قيادية كانت تدير المشهد دون أن تفرط بالثوابت الوطنية. واليوم، بعد سنوات على رحيله، يظل الرئيس علي عبدالله صالح رقماً صعباً في معادلة التاريخ اليمني، لا يسقط بالتقادم، ولا يُنسى مهما اشتدت العواصف.