التعليم بين ثلاث جماعات دينية.. تجريف وتحريف ومتاجرة.. جريمة تهدد العالم

 التعليم بين ثلاث جماعات دينية.. تجريف وتحريف ومتاجرة.. جريمة تهدد العالم
مشاركة الخبر:

مع بداية العام الدراسي الجديد 2025–2026، برزت أهم أدوات التعطيل والتحريف والتجريف التي تمارسها ثلاثة كيانات دينية لا تمت لليمن والهوية اليمنية بصلة، بحق العملية التعليمية في البلاد، بهدف تطويعها لخدمة أجندتها الفكرية والسياسية.

ورغم إعلان توقيت بدء العام الدراسي الحالي، المتفاوت بين المناطق المحررة أو الخاضعة لعصابة الحوثي الإيرانية، فإن التعليم والمعلمين والطلاب يظلون ضحايا المشاريع الدينية ذات الأفكار المتطرفة.

وما بين فكر "شيعة الشوارع" في إيران، المتمثل بفكر الحوثيين، وفكر جماعة الإخوان الإرهابية المتمثلة بحزب الإصلاح، وظهور لاعب جديد جنوبًا يتمثل بالسلفية المأجورة، بات التعليم وطلاب المدارس يتعرضون لهجمة تطرف شرسة، سلاحها الفكر الدخيل الذي لا يؤمن بالعلوم الحديثة النافعة، بل بعلوم تقود إلى الموت بطرق متعددة.

هجوم السلفية على التعليم

والبداية من العدو الجديد للعملية التعليمية في البلاد، التي استُهدفت بشكل مباشر منذ سنوات من قبل جماعة الإخوان، تبعتها عصابة الحوثي، لتأتي السلفية هذا العام بمشروعها الخاص لتفرضه على طلاب المدارس في مراحلهم الأولى بعدن.

وذكرت مصادر تربوية وأخرى أسرية، أن السلفيين التابعين لشيخهم الحجوري، الذي كان يتخذ من منطقة دماج بصعدة مقرًا لفكره وأنصاره، قاموا بإنشاء مشروع تعليمي في عدة مناطق بعدن يستهدفون من خلاله طلاب المدارس من الصف الأول إلى الخامس الأساسي.

وتقوم الفكرة، وفقًا للمصادر، على دعوة أولياء الأمور عبر المساجد التي يسيطرون عليها لإلحاق أبنائهم بمراحل تعليمية في إطار مساجد محددة تتبع السلفيين، مستغلين توقف العملية التعليمية في المدينة منذ مطلع العام الماضي، بسبب إضراب المعلمين المطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية.

تعليم وفق نهج السلفية

وفي هذا الصدد، أكد عدد من أولياء الأمور لـ"المنتصف" أنهم في منطقة رأس مربط بمديرية التواهي، قاموا بإلحاق أطفالهم من الجنسين في إطار التعليم الجديد الذي يشرف عليه السلفيون، بدلًا من ضياعهم في الشوارع جراء توقف التعليم منذ بداية العام الدراسي الماضي.

وأشاروا إلى أنهم تلقوا دعوات عبر مسجد الفاروق بالمنطقة لإلحاق أبنائهم في تعليم يخدم دينهم ودنياهم، سيُقام في المسجد المذكور للبنات، ومسجد حافون في مديرية المعلا للبنين. وعلى إثر تلك الدعوات، تم إلحاق أبنائهم من المستوى الأول وحتى المستوى الخامس.

وعند التحقق من العملية، تبيّن أن السلفيين قاموا بتوفير منهج خاص بهم على مستوى الصفوف الخمسة، إلى جانب مرحلة التمهيدي، حسب وصفهم، إضافة إلى توفير باصات لنقل الطلاب والطالبات إلى تلك المساجد، فضلًا عن توفير شيوخ من النساء والرجال من أتباعهم لتعليم الطلبة.

المناهج الخاصة

وحول المناهج التي يعلّمونها للأطفال، وُجدت أنها تتوزع على الفصول وفقًا لمراحل التعليم. فالتمهيدي يحوي منهجًا مكونًا من أربعة كتب مطبوعة بعناية وفقًا للنهج السلفي، وتحوي تعليم مبادئ القراءة، ومبادئ الفكر السلفي. وهنا تكمن الخطورة، حيث يُدعى الأطفال إلى اتباع السلفية التي تُعد النهج الصحيح لما كان عليه السلف الصالح، وهي – بحسب توصيفهم – طريقة تقود إلى الجنة، وأن هذا العلم هو الصحيح، وبقية العلوم لا تنفعهم في دينهم.

وعند الاطلاع على بعض مناهج الصفوف من الأول إلى الخامس، وُجد أنها كلها تتعلق بالفكر السلفي والقرآن والقراءة والتجويد والحديث، وغيرها من الدروس التي تمجّد السلفية والسلف، وطريقة اللباس الشرعي، والحلال والحرام.

وفيما يخص التكاليف، فإن السلفية وفّرت ذلك مجانًا، ما عدا قيمة المناهج التي تتراوح بين 10–14 ألف ريال، وفقًا للفصل الدراسي. أي الصفوف الأولى والتمهيدي بقيمة 10 آلاف ريال، والصفوف الرابع والخامس بقيمة 14 ألف ريال.

تجريف الحوثيين

وفي مناطق سيطرة عصابة الحوثي، واصلت العصابة الإيرانية تجريف مناهج التعليم في جميع المراحل، من خلال حذف دروس وإضافة أخرى تخدم فكرها الإيراني الذي يُقدّس الأفراد ويعتمد على الخرافات في غسل عقول الأطفال.

كما تركز عصابة الحوثي على المواد الدينية والأدبية في إيصال أفكارها إلى طلاب المدارس، بهدف تكوين فكر وثقافة يخدمان مشروعها، على حساب المواد العلمية وحتى اللغات الأجنبية، حيث اقترحت إلغاء تدريس مادة اللغة الإنجليزية واستبدالها باللغة الفارسية.

وإلى جانب تجريف المنهج الدراسي في جميع المراحل، تواصل العصابة اضطهاد وحرمان المعلمين والتربويين من مرتباتهم منذ العام 2016، وتواصل إجبارهم على التعليم مقابل "إكراميات" مالية بسيطة تفرضها على أولياء أمور الطلاب.

الإخوان.. عامل تدميري بامتياز

ومنذ عقود، تمارس جماعة الإخوان تدمير التعليم، من خلال إسناد العملية التعليمية إلى عناصرها غير المؤهلين، الذين تم إلحاقهم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي بما سُمي "معاهد المعلمين" المتعددة المراحل، التي كانت خاضعة للجماعة حينها، قبل أن تستشعر الحكومة خطورة ذلك وتلغيها.

وحاليًا، تمارس جماعة الإخوان، ممثلة بحزب الإصلاح، عمليات ممنهجة في تدمير التعليم، تتمثل في إعلان نقابتها الإضراب عن أداء الرسالة التعليمية، ما أدى إلى توقف التعليم بالمدارس الحكومية، فيما تقدم الجماعة التعليم الخاص التابع لها بديلًا للتعليم الأساسي، أي المتاجرة بالتعليم والمعلمين لتحقيق أرباح مادية، كما هو الحال في تعز ومأرب وعدن.

فخلال العام الماضي، لم يتم تدريس طلاب المدارس سوى شهرين فقط، لتتوقف العملية التعليمية بعدها حتى نهاية العام الدراسي، وتم تنفيذ اختبارات الثانوية العامة التي أُعلنت نتائجها قبل أيام، بحصول الطلاب على معدلات نجاح خيالية، رغم عدم دراستهم للمنهج بسبب إضراب المعلمين، وهو ما يُعد أحد عوامل تدمير التعليم.

كذلك الحال بالنسبة لطلاب بقية المراحل الدراسية، حيث تم اعتماد نتائج اختبارات الشهرين الأولين كنتيجة نهائية لنهاية العام، وتم منح جميع الطلاب شهادات نجاح إلى مراحل متقدمة بدون تحصيل علمي.

مشاركة الحكومة في الجريمة

لقد شكّل التأخير المستمر من الحكومة في صرف مرتبات المعلمين، وعدم رفع تلك المرتبات بما يخدم المعلم في حياته اليومية مقارنة بالأسعار المرتفعة، فضلًا عن استمرار الحكومة وتعمدها صرف مرتبات خيالية لموظفين جدد يتواجدون خارج البلاد بالعملات الصعبة، حالة من التذمّر في أوساط موظفي الداخل، وعلى رأسهم المعلمون.

كما شكلت حالة التخبط في التعامل مع ملفات التعاقدات والوظيفة العامة طعنة في ظهر القطاع التربوي في اليمن، ما دفع النقابة إلى دعوة كل المعلمين والتربويين إلى "توحيد الكلمة والانخراط في جبهة نضالية موحدة، استعدادًا لتنفيذ خطوات نقابية تصعيدية دفاعًا عن الحقوق"، وهي مستمرة منذ العام الماضي حتى اليوم.

ومع مطالبتها الحكومة بإعادة النظر الجاد في رواتب المعلمين وصرفها بما يتناسب مع انهيار العملة وتدهور سعر الصرف، أكدت نقابة المعلمين أن الظروف الحالية تتطلب إجراءات استثنائية لإنقاذ ما تبقّى من الكادر التربوي المنهك.

وتعيش الحكومة اليمنية أسوأ أزمة مالية، اضطرت خلالها إلى إنهاء العام الدراسي الماضي قبل اكتمال الفصل الدراسي الأول، نتيجة الإضراب الشامل.

وينطلق العام الدراسي الجديد هذا العام وسط ظروف بالغة التعقيد يعاني منها المعلمون في مختلف أنحاء البلاد، فهم بلا رواتب منتظمة منذ سنوات في مناطق سيطرة الحوثيين، وبرواتب هزيلة لا تكفي لأدنى متطلبات الحياة في المحافظات الواقعة تحت سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا.

وأخيرًا..

يبقى التعليم في اليمن ضحية، كغيره من القطاعات، لكنه الأخطر، لأنه استُهدف من قِبل الكيانات التي دمرت البلاد، والتي جاءت عبر ما سُمي بـ"الربيع العربي"، الذي جلب الانقلاب الحوثي والحروب المستمرة حتى اليوم.

ومن خلال استهداف المناهج، ووقف مرتبات المعلمين، وتلقين الأجيال أفكارًا متطرفة ومتخلفة، تدخل اليمن في خطر يتجاوز خطر الحروب، وعلى أبنائه ومحبي العلم والعلوم في العالم أن يهبّوا لإنقاذ هذا الشعب، الذي يُستهدف في فكره قبل أن يتحوّل إلى كيانات إرهابية يمتد خطرها إلى جميع أنحاء العالم.

ويظل السؤال الأهم:
لماذا التعليم بالذات، يا من تدّعون التدين وأنتم تكذبون؟
كما يتساءل أولياء الأمور:
من المستفيد من إبقاء المدارس مغلقة، وترك مئات الآلاف من التلاميذ بلا تعليم؟ وهل يُعقل أن يتحول المعلم إلى خصم لأبنائه الذين ينتظرون عودة الدراسة؟.