الفضاء الرقمي اليمني يحتفي مبكرًا بثورة 26 سبتمبر... ذاكرة وطنية متجددة

الفضاء الرقمي اليمني يحتفي مبكرًا بثورة 26 سبتمبر... ذاكرة وطنية متجددة
مشاركة الخبر:

يشهد الفضاء الرقمي في اليمن منذ مطلع سبتمبر الجاري موجة احتفالية مبكرة بذكرى الثالثة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، في تظاهرة إلكترونية واسعة تؤكد حضور هذه المناسبة الوطنية في وعي المجتمع اليمني. تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه الساحات العامة الافتراضية، حيث تتدفق الشعارات والصور والوسوم المستلهمة من روح الثورة السبتمبرية الخالدة، في مشهد يعكس استمرارية ارتباط اليمنيين بقيمها ومعانيها.

منذ الأيام الأولى للشهر، تزيّنت حسابات الناشطين والكتّاب والمواطنين بصور شخصية مؤطرة بشعارات الثورة، كما ارتفعت على الصفحات والمنصات الرقمية عبارات تؤكد التمسك بمبادئ الجمهورية والحرية والوحدة والديمقراطية. هذا التفاعل الشعبي المبكر لا يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا شكليًا فحسب، بل هو دلالة على إدراك واسع للمعاني العميقة التي حملتها التجربة السبتمبرية، وما تمثله من تحوّل تاريخي في مسيرة اليمن الحديث.

يقول الناشط الرقمي أحمد الشرعبي في منشور له على منصة "إكس": "كلما اقتربت ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، نشعر بأن أرواح الأجداد تعود لتذكّرنا بأن الجمهورية أمانة في أعناقنا. الفضاء الرقمي أصبح وسيلتنا لرفع العلم وترديد الشعارات".

لقد ارتبطت ثورة سبتمبر بمشروع وطني يسعى لبناء دولة المواطنة والعدالة والحرية، وهي ثوابت لا تزال تتجدد في الوعي الجمعي كلما اقتربت ذكرى الثورة. لهذا يبدو طبيعيًا أن يتحول الفضاء الرقمي إلى مرآة تعكس تلك الذاكرة الوطنية، خاصة في زمن تتسع فيه الفجوات المكانية وتضيق فيه فرص التجمع المباشر بسبب الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة. الإنترنت هنا يصبح جسرًا للربط بين الأجيال، وللتأكيد على أن روح سبتمبر ما زالت حية.

وتعلّق الإعلامية ريم الحاج على ذلك بالقول: "احتفاؤنا على المنصات ليس بديلًا عن الفعاليات الميدانية، لكنه اليوم صوتنا الجماعي الذي يصل إلى أبعد مكان. نحن نؤكد أن سبتمبر باقٍ في قلوب اليمنيين مهما حاول البعض طمسه".

وإذا كان البعض ينظر إلى هذه الحملات الإلكترونية على أنها مجرد احتفاء رمزي، فإن قراءة أعمق تكشف عن زخم معنوي كبير. إذ يجمع اليمنيون اليوم بين الاحتفال بالثورة الأم، ثورة 26 سبتمبر، وبين التذكير بمسيرة النضال الوطني الممتد، في ظل تحديات تهدد وحدة الهوية اليمنية وتماسك المجتمع. في هذا السياق، يبدو الحضور الرقمي المكثف رسالة مزدوجة: تأكيد على التمسك بالثوابت الوطنية من جهة، واستدعاء لذاكرة المقاومة والنضال من جهة أخرى.

إن اللافت في هذه التظاهرة الرقمية هو تنوع المشاركين فيها. لم تقتصر المبادرات على النخب الثقافية والسياسية، بل شملت شرائح واسعة من الشباب والطلاب والمغتربين اليمنيين في الخارج. هذا التنوع يمنح الظاهرة بعدًا شعبيًا عامًا، ويجعل منها أكثر من مجرد احتفال عابر. إنها تعبير عن وعي جمعي يتجدد مع كل مناسبة وطنية، وعن رغبة دفينة في إعادة إنتاج القيم التي أرستها الثورة في واقع يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى روح التغيير.

كما أن التفاعل المبكر مع ذكرى سبتمبر يوحي بأن الأيام المقبلة ستشهد تصاعدًا أكبر في الحملات الإلكترونية، وربما انتقالها إلى فضاءات واقعية عبر الفعاليات الميدانية والأنشطة المجتمعية. فالزخم الرقمي يشكل في العادة مقدمة لما سيليه من حضور جماهيري على الأرض، وهو ما يمنح المناسبة هذا العام خصوصية إضافية، كونها تأتي في ظل واقع سياسي وأمني يفرض على الناس أن يبحثوا عن مساحات بديلة للتعبير عن انتمائهم الوطني.

ويختتم الطالب الجامعي محمد العامري حديثه قائلًا: "جيلنا لم يعش سبتمبر، لكنه يعيش معانيه يوميًا عبر قصص أجدادنا وصورنا في العالم الرقمي. هذه الثورة ليست ذكرى، بل مشروع مستمر للمستقبل".

في المحصلة، يمكن القول إن الاحتفاء الإلكتروني المبكر بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ليس مجرد موجة عاطفية عابرة، بل هو دليل على حيوية الذاكرة الوطنية واستمرارها في إنتاج رموزها ومعانيها. إنه تعبير عن رغبة شعبية في التمسك بالمشروع الجمهوري والدفاع عن الهوية اليمنية الجامعة، وعن إصرار على إبقاء شعلة سبتمبر متقدة في الوعي العام. وبينما يتهيأ اليمنيون لإحياء الذكرى الثالثة والستين للثورة، يظل الفضاء الرقمي شاهدًا على أن الروح التي انطلقت من صنعاء قبل أكثر من ستة عقود ما زالت نابضة بالحياة، تقود الأجيال الجديدة نحو آفاق الحرية والتغيير.