بين البلاغ والاتهام.. قضية أسامة تفضح ارتباك الأجهزة الأمنية

بين البلاغ والاتهام.. قضية أسامة تفضح ارتباك الأجهزة الأمنية
مشاركة الخبر:

تقدّم المواطن أسامة علي محمد علي ببلاغ رسمي، قال فيه إنه تعرض لاختطاف مسلح من قبل عبدالباسط سعيد قائد ناجي وأيمن عبدالعالم سعيد قائد وعصابتهما. الرواية كانت صادمة: اختطاف ليلي من وادي القاضي، نهب مبلغ 260 ألف ريال مع هاتفه الشخصي، وضرب مبرح بأعقاب البنادق، قبل اقتياده إلى مكان مجهول ثم إطلاق سراحه بعد ساعات.

البلاغ أُحيل إلى العقيد فؤاد مهيوب وزميله عدنان عرّاف، فباشرا الإجراءات. حضرت بعض الشهادات، وأُوقف المتهم عبدالباسط مؤقتاً. غير أن المشهد سرعان ما تعقّد. فبينما تسير التحقيقات في اتجاه محدد، ظهر اسم إبراهيم النعمان، ضابط في الإدارة العامة للشرطة، ليغيّر مسار القضية. النعمان قال إنه أوقف الشاكي نفسه، ظناً أنه مطلوب في قضية أخرى تخص فارس الشرعبي، قبل أن يتأكد من براءته ويُطلق سراحه. لكنه عاد ليتسلّم المتهم عبدالباسط بخط استلام رسمي، استناداً إلى توجيهات من المدير السابق العميد صادق الحسامي.

هنا تحديداً بدأت الحكاية تتحول من بلاغ جنائي إلى قضية أمنية مثيرة للجدل. فالإجراءات توقفت، والنيابة واصلت إرسال توجيهاتها المتكررة بسرعة إحالة الملف والمتهم. لكن المتهم اختفى، وبقيت التساؤلات معلّقة: من المسؤول عن تعطيل العدالة؟

لاحقاً، وعند وصول القضية إلى النيابة الجزائية، ألقى المتهم عبدالباسط اتهاماً صادماً: الخاطف الحقيقي – حسب قوله – لم يكن هو، بل الضابط إبراهيم النعمان. وأكد أن الأخير اعترف بذلك أمام عدنان عرّاف وأفراد البحث. النيابة استمعت لعرّاف، فثبّت أقواله، لتزداد القضية التباساً.

لكن بدلاً من أن تتجه الأمور نحو إنصاف الشاكي وتحديد المتورطين، جرى توقيف المحقق عدنان عرّاف نفسه! تم التحقيق معه، سُحب سلاحه وهاتفه، وزُجّ به في زنزانة رغم ارتدائه زيه العسكري ورتبته، قبل أن يُفرج عنه بتدخلات قيادات البحث. ثم ما لبث أن استُدعي مجدداً الأسبوع الماضي، ليُحال إلى السجن المركزي بأوامر من مدير عام الشرطة، بذريعة أنه "اشتغل في القضية بمهنية" وأدان النعمان ومقربين آخرين من قيادة الأمن.

القضية اليوم لم تعد مجرد بلاغ جنائي لمواطن تعرّض للاختطاف والنهب، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الارتباك داخل المنظومة الأمنية في تعز. كيف يمكن لبلاغ واضح، بأسماء محددة وشهود وإجراءات رسمية، أن ينقلب على المحقق بدل أن يصل إلى الجناة؟ ولماذا تتداخل الأوامر بين القيادات، حتى تختفي الحقيقة وسط تضارب الروايات والتوجيهات؟

إن ما حدث مع أسامة ليس حادثة معزولة، بل مؤشر خطير على ثغرات في العدالة، حيث يمكن أن يتبدل دور "المتهم" و"المحقق" بقرار إداري، وتتحول القضية من مسار قانوني إلى ساحة لتصفية الحسابات داخل الأجهزة.

القضية بيد النيابة الجزائية الآن، والرأي العام يترقب. فإما أن تتحول هذه الواقعة إلى محطة لإصلاح الاختلالات وإعادة الاعتبار للقانون، أو تبقى شاهداً إضافياً على هشاشة العدالة حين تتغلب الولاءات على المهنية.