ثورة 14 أكتوبر.. ملحمة تحرر لا تُنسى
في صباح الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، دوّى في جبال ردفان صوت الرصاص إيذانًا ببدء واحدة من أعظم الثورات الوطنية في اليمن، ثورة قادها أحرار اليمن ضد الاستعمار البريطاني، وانتهت بتحرير جنوب البلاد بعد أكثر من 129 عامًا من الاحتلال.
لم تكن هذه الثورة حدثًا محليًا معزولًا، بل كانت امتدادًا أصيلًا للحراك الوطني العارم الذي اجتاح اليمن من شماله إلى جنوبه، بالتوازي مع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 التي أطاحت بالحكم الإمامي الكهنوتي في الشمال.
جاءت ثورة أكتوبر المجيدة في لحظة تاريخية مشحونة بالألم والتوق إلى الحرية، إذ لم يعد اليمنيون قادرين على احتمال هيمنة استعمار بريطاني جاثم على جنوب الوطن منذ عام 1839، في ظل واقع من القهر والاستغلال، وإن زخرفته مشاريع عمرانية وشكلية لم تُخفِ حقيقة الاحتلال وسلب الإرادة.
لم تكن ثورة أكتوبر وليدة لحظةٍ عابرة، بل نتاج تراكم نضالي طويل بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي، حين بدأ الأحرار في الجنوب يرفعون رايات المقاومة ويرسمون خارطة الخلاص، بدعم غير محدود من إخوتهم في شمال الوطن الذين خاضوا تجربة التحرر ضد الإمامة الكهنوتية. لقد شكّلت مدينة تعز محطة مهمة في التدريب والإعداد، حيث انطلقت منها طلائع الثوار الجنوبيين، وفي مقدمتهم الشهيد البطل غالب راجح لبوزة، مفجّر الثورة، الذي صعد جبال ردفان مشعلًا شرارة التحرير في وجه المستعمر البريطاني.
لقد مثّلت ثورة أكتوبر نموذجًا في وحدة الصف اليمني، فقد تداخلت الجغرافيا والتاريخ والنضال، وتكامل أبناء الشمال والجنوب في معركة وطنية واحدة ضد قوى الإمامة والاحتلال، في معركة عنوانها "التحرر وبناء دولة يمنية حديثة".
لم تكن عدن وحدها في خندق المواجهة، بل كانت كل مناطق الجنوب من ردفان إلى حضرموت، ومن الضالع إلى شبوة، ساحات مفتوحة للمقاومة، شاركت فيها القبائل والمدن، النخب والعمال، الرجال والنساء، في صورة وطنية نادرة تُجسّد إرادة شعب لا يُقهر.
اندلعت ثورة 14 أكتوبر بقيادة الشهيد غالب راجح لبوزة، الذي فجّر شرارتها الأولى من جبال ردفان بمحافظة لحج، لتتحول سريعًا إلى حركة كفاح مسلح شاملة امتدت إلى مختلف مناطق الجنوب، وتصدّت فيها القبائل والعمال والمثقفون لأعتى قوة استعمارية عرفها اليمن في تاريخه الحديث.
إننا اليوم، وبعد اثنين وستين عامًا على انطلاقة الثورة، نقف بإجلال أمام هذه الذكرى الخالدة، نستحضر بطولات أولئك الرجال الذين رسموا بدمائهم ملامح الحرية والاستقلال، في مدرسة نضالية خالدة سطّر فيها أبناء اليمن ملحمة التحرر بإرادتهم ودمائهم، وكتبوا بها فصلًا مشرقًا في مسيرة الكفاح العربي ضد الاستعمار.