غضب متصاعد في مناطق الحوثيين بسبب انقطاع المرتبات وتدهور المعيشة
تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي موجة غير مسبوقة من الغضب الشعبي والاستياء العام، وسط تفاقم الأوضاع المعيشية واستمرار الجماعة في التهرب من صرف مرتبات موظفي الدولة منذ نحو عشر سنوات، بما في ذلك نصف الراتب الشهري الذي تعهدت بصرفه منذ أكثر من عام دون تنفيذ فعلي، في ظل انهيار اقتصادي ومعيشي متسارع يطحن ملايين الأسر.
وقالت مصادر محلية في العاصمة صنعاء إن حالة السخط الشعبي تتسع يوماً بعد آخر، خصوصاً بعد تراجع سلطات الحوثيين عن وعودها بصرف نصف الراتب المقرّر عقب مقتل رئيس حكومتها غير المعترف بها أحمد الرهوي ومعظم أعضاء حكومته في غارة إسرائيلية، معتبرة ذلك ذريعة مثالية للمليشيا للتنصل من التزاماتها المالية واستغلال الأحداث السياسية والإقليمية للتغطية على فشلها الاقتصادي وإدارتها المنهارة.
وبحسب المصادر، فقد عيّنت الجماعة محمد مفتاح، وهو خطيب جامع لا يمتلك مؤهلات إدارية أو اقتصادية، رئيساً جديداً لحكومتها خلفاً للرهوي، في خطوة أثارت موجة من الانتقادات الواسعة داخل الأوساط اليمنية، واعتبرها مراقبون "محاولة لتكريس سلطة القرار داخل الدائرة الضيقة للقيادة الحوثية" وضمان تبعية الحكومة الجديدة بالكامل للجماعة دون أي استقلالية أو صلاحيات حقيقية.
فقر وجوع وغضب في الشارع
يعيش الموظفون في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سنوات أوضاعاً معيشية صعبة، إذ لم يتسلموا رواتبهم بانتظام منذ العام 2016، ما أجبر الآلاف منهم على العمل في مهن هامشية لتوفير قوت يومهم، فيما اضطر آخرون إلى الهجرة أو التسوّل بعد نفاد مدخراتهم.
وقد تصاعدت في الأيام الأخيرة أصوات الغضب من مختلف الشرائح الاجتماعية، بينهم فنانون وإعلاميون، الذين أطلقوا صرخات احتجاج ضد ما وصفوه بـ"سياسة التجويع المنهجية" التي تمارسها المليشيا.
وقال الممثل سلطان الجعدبي في مقطع مصور لاقى انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي:
"الممثلون ماتوا من الجوع، والوعود التي أطلقها الحوثي والمشاط لم تُنفذ. لا تدفعوا الممثلين لبيع أنفسهم بسبب الجوع وجوع أطفالهم".
كما أكد الممثل أنيس العنسي في تسجيل آخر أن "بعض الفنانين اضطروا إلى التسول لتأمين قوت يومهم"، مضيفاً أن الوضع المعيشي بلغ مستويات كارثية غير مسبوقة.
قمع الأصوات الحرة
في المقابل، ردّت سلطات الحوثيين على موجة الانتقادات بأسلوبها المعتاد، من خلال حملات اختطاف وترهيب استهدفت الناشطين والمنتقدين.
فقد أقدمت عناصر مسلحة تابعة لجهاز المخابرات الذي يشرف عليه علي الحوثي – نجل مؤسس الجماعة – على اختطاف الناشط صالح القاز من منزله في صنعاء، بعد نشره منشوراً تضامن فيه مع الفنانين والمواطنين الذين يشكون الجوع وانقطاع الرواتب.
وذكرت مصادر حقوقية أن عناصر المخابرات اقتحمت منزل القاز بطريقة "عنيفة ومهينة"، وصادرت أجهزته قبل أن تقتاده إلى جهة مجهولة، في واقعة أثارت موجة تنديد واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكد ناشطون أن القاز لم يرتكب سوى التعبير عن رأيه والمطالبة بحقوق المواطنين، مشيرين إلى أن الاعتقال يأتي ضمن حملة قمع متواصلة تستهدف كل الأصوات المستقلة التي تحاول تسليط الضوء على الفساد والانتهاكات في مناطق الحوثيين.
تبريرات حوثية وحملة مضادة
وفي محاولة لامتصاص موجة الغضب، خرج القيادي الحوثي أحمد مطهر الشامي باتهامات ضد مؤثرين وناشطين يمنيين، زاعمًا أنهم تلقوا دعمًا من التحالف العربي للتحريض على الجماعة. وقال إن "بعض المؤثرين تم استقطابهم عبر رحلات إلى السعودية ومصر بغرض توجيههم ضد حكومة صنعاء"، في إشارة إلى حملة دعائية تهدف إلى تشويه المنتقدين ووصمهم بالعمالة.
غير أن مراقبين اعتبروا هذه المزاعم "ذريعة جديدة لتبرير حملة قمع مرتقبة ضد الإعلاميين والناشطين"، مؤكدين أن الحوثيين يسعون إلى إغلاق ما تبقّى من الهامش الإعلامي ومصادرة حرية التعبير، بالتوازي مع تعميق أزماتهم الاقتصادية من خلال نهب الإيرادات العامة وفرض الجبايات غير القانونية.
أفق مظلم ومعاناة مستمرة
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أكثر من 80% من سكان مناطق الحوثيين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تعجز المؤسسات الحكومية هناك عن تقديم أي خدمات أساسية، وسط استمرار الجماعة في جباية الضرائب والزكاة وإيرادات النفط والاتصالات دون تخصيصها للمرتبات أو الخدمات العامة.
ويرى محللون أن تصاعد الغضب الشعبي يمثل مؤشراً على تآكل شرعية الجماعة داخلياً، خاصة في ظل فقدان الثقة بين المواطنين والسلطات الحوثية، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى المنبر الوحيد للتعبير عن معاناة الناس بعد إغلاق كل المنافذ السياسية والإعلامية.
وفي ظل غياب أي بوادر لانفراجة قريبة، يخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الأوضاع الحالية إلى انفجار شعبي واسع في مناطق سيطرة الجماعة، مع تصاعد معدلات الجوع والفقر والبطالة، وتزايد مؤشرات الغضب الصامت الذي قد يتحول إلى احتجاجات مفتوحة في أي لحظة.