ثورتا أكتوبر وسبتمبر توأمان غيّرا وجه اليمن
تأتي الذكرى الثانية والستون لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة لتعيد إلى الواجهة واحدة من أعظم مراحل النضال اليمني، التي اقترنت بثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، في ملحمة وطنية موحدة خاضها أبناء الشمال والجنوب على حد سواء ضد نظامين قمعيين؛ الإمامة الكهنوتية شمالًا، والاستعمار البريطاني جنوبًا.
وقد شكّلت الثورتان، رغم تباعد انطلاقهما بأشهر قليلة فقط، توأمةً ثوريةً فريدةً في التاريخ اليمني الحديث، توحّد فيها المشروع الوطني التحرري، واختلطت فيها دماء المناضلين من عدن وتعز وصنعاء وردفان في سبيل الخلاص من الاستبداد والوصاية الأجنبية.
وكانت عدن آنذاك حاضنةً للثوار القادمين من الشمال، ومنطلقًا للإعداد لثورة سبتمبر ضد الحكم الإمامي، فيما لعبت تعز دورًا محوريًا في احتضان وتدريب المجموعات الأولى لثوار أكتوبر، وعلى رأسهم الشهيد البطل غالب راجح لبوزة، الذي فجّر شرارة الكفاح المسلح من جبال ردفان في وجه الاحتلال البريطاني.
وتجلّى خلال الأربعينيات والخمسينيات وحتى منتصف الستينيات تنسيقٌ ثوريٌّ غير مسبوق بين أبناء الشطرين، في تجسيدٍ حيٍّ لليمن الواحد، حيث تجاوز النضال حدود الجغرافيا، وسادت روح العمل المشترك في مواجهة الظلم والاستعمار.
وبدعم من جمهورية مصر العربية آنذاك، تمكّن الثوار من إسقاط الكهنوت الإمامي (أحد أعتى أنظمة الاستبداد الديني في شمال البلاد)، وإنهاء أكثر من 120 عامًا من الاحتلال البريطاني في الجنوب، ما شكّل منعطفًا تاريخيًا في مسار اليمن الحديث.
لقد كانت ثورتا سبتمبر وأكتوبر محصلتين لتراكمٍ طويلٍ من الغضب الشعبي والنضال المتواصل، شاركت فيه مختلف فئات الشعب من الحضر والريف، وساهم في تشكيل وعيٍ وطنيٍّ جديد، لا يزال صداه قائمًا رغم التحديات الراهنة.
ولأكثر من 129 عامًا، ظلّ جنوب اليمن تحت وطأة الاحتلال البريطاني، حيث كانت عدن ومناطق الجنوب خاضعةً للسيطرة الاستعمارية منذ عام 1839.
وخلال تلك الفترة، عانى الشعب من القمع والاستغلال ونهب الثروات، فيما فُرضت سياسات تمييزية أقصت المواطنين عن المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون وطنهم.
اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على انطلاقتها، تبقى ثورة أكتوبر مصدرَ فخرٍ وإلهام، ودعوةً صادقةً إلى استعادة روح الوحدة الوطنية، وتحقيق تطلعات اليمنيين في الحرية والعدالة والعيش الكريم.