على وقع تحقق تحذيرات الرئيس الصالح .. اليمن بين فوضى الجنوب وامامة الشمال

على وقع تحقق تحذيرات الرئيس الصالح ..  اليمن بين فوضى الجنوب وامامة الشمال
مشاركة الخبر:

يعيش اليمن، وضعا ماساويا لم يسبق ان شهده خلال تاريخه، وذلك على وقع مخلفات فوضى اسقاط النظام منذ العام 2011، والتي ادخلت البلاد في صراعات ومؤامرات وحروب وفساد في شتى المجالات، كنتيجة طبيعية لما بثته مكونات الفوضى من دعايات وافكار ومعلومات وشعارات مضللة.
وواصلت تلك الكيانات الفاشلة غيها في تنفيذ الاجندة الخارجية على حساب الوطن والمواطنين، وباصرار عجيب على مدى قرابة عقد ونصف من الزمن، حتى اوصلت البلاد الى حافة المجاعة والتمزق.
ومن خلال ما تعيشه اليوم البلاد، من اقتت٨ال مذهبي وطائفي ومناطقي وحزبي، وانتشار للجرائم المختلفة والدخيلة على المجتمع وافلات السلاح وانتشار المخدرات والظواهر المخلة، وفقدان الخدمات، تعود الذاكرة باليمنيين بحسرة والم الى ماكان يحذر منه الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، والتي باتت واقعا معاشا اليوم، خاصة فيما يتعلق بالوحدة وتمزيق البلاد.

الاصرار على فوضى .. التمزيق
ومن واقع معاش وتجربة امتدت لاكثر من 33 عاما في الحكم والسلطة والاطلاع على واقع البلاد، ظل الرئيس الشهيد الصالح في اكثر من مناسبة تهدد البلاد، يحذر من القادم الذي ينتظر اليمن في حال ذهب الى الفوضى وسقط النظام، ومع ذلك ظلت ادوات الهدم وكيانات الفشل السياسي والحزبي مصرة على الذهب نحو الفوضى حتى وصل بنا الحال الى ما نعيشه اليوم.
فمنذ قبل حرب صيف 1994، ظل الرئيس علي عبدالله صالح، يحذر من المساس بسيادة وارض ووحدة النسيج الاجتماعي لليمن الواحد، وفتح جميع ابواب الحوار لحل كل ما يتعلق بالعمل السياسي والاقتصادي.
وبالعودة الى احداث 2007 التي تصاعدت منذ 1994 في المناطق الجنوبية من الوطن، ورفع شعارات التمزيق التي لاقت تأييد وقبول لدى اطراف وكيانات سياسية حينها، رفع الرئيس الشهيد صالح، من منسوب التحذيرات التي تهدد مستقبل اليمن ووحدته، وحتى مستقبل جنوب الوطن نفسه.
كما حذر من المسار الخطير الذي تسلكه بعض المكونات الحزبية بهدف إضعاف الدولة من الداخل، وتغذية المشاريع الصغيرة والنزعات المناطقية الضيقة التي تهدد الوحدة واستقرار البلاد والمنطقة.
تلك التحذيرات والرؤية الثاقبة لنظام الرئيس الصالح،  ووجهت بانتقادات واسعة من خصومه السياسيين حينها، واستمرت وتنامت لتصل الى تبني الفوضى في العام 2011.

نتائج كارثية .. محاولة افراز الماضي

ان الاوضاع الراهنة في جنوب البلاد لا يمكن فصلها عما يجري في بقية المناطق، فكلها نتائج كارثية افرزتها فوضى 2011 التي حذر منها الصالح، ومنها اعادة الوطن الى ما قبل الثورة اليمنية المباركة سبتمبر واكتوبر ونوفمبر، والتي بدات بانقلاب عصابة الحوثي الايرانية في 2014، وحاليا محاولة اعادة جنوب الوطن الى ما قبل 1968.
كان الرئيس الصالح قال في مقابلة مع قناة العربية في مارس 2011، ان كيانان الفوضى لن يستطيعون ان يحلوا مشكلة او يحكمون شارع واحد، وان البلاد سوف ينقسم ويتجزأ بدل الشطرين ما قبل مايو 1990 الى أربعة اجزاء في ظل استمرار الفوضى المطالبة باسقاط النظام حينها.
حينها اصرت المعارضة على الاستمرار في الفوضى ورفضت كل مبادرات الحوار والعروض التي قدمها نظام الرئيس صالح وحكومة المؤتمر الشعبي العام المنتخبة من الشعب تحت اشراف المجتمع الدولي.
وكانت احزاب ما يسمى اللقاء المشترك وعلى راسهم حزب الاصلاح، حينها تبنوا دعوات “الحراك الجنوبي” الذي يتزعم الاحتجاجات الانفصالية في الجنوب منذ مارس 2007 ، كما تبنت قضية تمرد الحوثيين في صعدة.

أحداث ووقائع تتحقق .. نبؤات سياسية

اليوم تتحقق التحذيرات والتنبؤات التي توقعها الرئيس المحنك والداهية الشهيد صالح، وما تشهده المناطق الشرقية والجنوبية وحتى الشمالية والوسط تؤكد ان اليمن بات على المحك فيما يتعلق بوحدة اراضيه ونسيجه الاجتماعي.
ففي الجنوب تعود نزعة الانفصال اليوم لتفرض نفسها بقوة مع تصاعد التوتر السياسي في جميع المناطق الجنوبية والشرقية، وارتفاع نبرة الخطاب الانفصالي، وتكريس واقع تعدد القوى والسلطات على الأرض.
ان بعد نظر الرئيس الصالح، لم يكن مقتصرا على التحذير من الانفصال كحدث سياسي بحد ذاته، بل كان شاملا لكل ما يتعلق باليمن ارضا وانسانا، يبدأ باسقاط النظام وتدمير مكتسبات ومنجزات الثورة والوحدة وطمس الجمهورية والهوية اليمنية.
وبالعودة قليلة الى الوراء والى كلمة الرئيس صالح في 1 يونيو 2009 امام أبناء الجالية اليمنية ورجال المال والاعمال اليمنيين بالسعودية، وتحذيره من دعم مشاريع الانفصال وتفتيت اليمن، مؤكدا لهم ان "دول العالم مع استقرار اليمن ووحدته وأمنه، وانها لا تريد ان تكون هناك بؤرة جديدة للتوتر في المنطقة ".. اليست هذه نبؤة جيوسياسية.
حينها اشار الى ان ما يجري في جنوب الوطن هي محاولة لاخفاء "حقيقية أهداف مشروعهم التأمري الخبيث الذي يسعى للعودة بالوطن إلى الماضي البغيض و تمزيقه إلى كيانات صغيرة الى سلطنات ومشيخات " .
كما حذر الرئيس أبناء الجاليات اليمنية ورجال الأعمال المقيمين في الخارج من الدعم المالي للمخطط التأمري الانفصالي الجديد الحالم بإمكانية تمزيق اليمن. الذي سبق وأن أعلنوه في فتنة عام 94م في محاولة للعودة بالوطن إلى ما كان عليه في ظل التشطير.
وقال حينها، إن أشقاءنا في المملكة يقفون مع يمن موحد ويؤكدون أن أمن المملكة من أمن اليمن والعكس، وان أمن اليمن من أمن دول مجلس التعاون الخليجي ودول المنطقة بشكل عام ". مشيرا إلى أن" هناك إدراك كبير لدى الأشقاء والأصدقاء بأن وحدة اليمن هي عنصر مهم لأمن واستقرار المنطقة. مؤكد ان حل القضايا الوطنية لن يكون الا غبر الحوار بعيد عن العنف ، مخاطبا الحاضرين " انتم تعرفون كيف كانت الأوضاع في الشطر الشمالي من الوطن سابقا منذ عام 62م إلى عام 70 م, كان هناك عدم استقرار وصراعات داخلية ولهذا لم تبن المشاريع، ولكن عندما تحقق الاستقرار تم إنجاز الشيئ الكثير وكذلك كان الحال في الشطر الجنوبي من الوطن ". ولفت إلى أن الإنجازات العظيمة التي شهدها الوطن في ظل الوحدة جاءت بفضل الإستقرار الذي عاشته البلاد وخصوصا بعد فتنة محاولة الإنفصال في عام 94م ، مبينا أنه إذا وجدت أية أخطاء أو مكامن قصور يمكن معالجتها عبر الحوار والتفاهم في إطار الدستور والالتزام بالثوابت الوطنية .

فشل الادارة وفساد الواقع
مثل الفشل الذي برزت عليه الكيانات التي تقلدت المسؤولية بعد مغادرة نظام الصالح الى المعارضة بعد تسليمه للسلطة سلميا وديمقراطيا في فبراير 2012، مثل بوابة لتنامي حركات التمرد في الشمال والجنوب، زاد من فعاليتها انقلاب الحوثيين، وانهيار الدولة ومؤسساتها على وقع فساد الاخوان (حزب الاصلاح) وشركائه في الفوضى.
وفي  ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع نفوذ السلطة المركزية، برزت قوى مثل الامامية الحوثية شمالا، وقوى جنوبية أعادت طرح تصوراتها بشأن مستقبل الجنوب المستندة على قواعد لعبة الاستعمار متجاوزة المطالب الاصلحية لمسار الوحدة بعد حرب 94.
وفي هذا الصدد كان الرئيس الشهيد صالح، حذر مرارا من تحول جنوب اليمن الى ساحة صراع في ظل تعدد الكيانات التي ظهرت حينها وزادت بعد حروب الحوثيين في 2015، عندها تحوّل جنوب الوطن إلى ساحة تتقاسمها سلطات وقوى متعددة، وهو ما بات مشهداً ملموساً اليوم. إذ يشهد الجنوب انتشار قوى عسكرية وأمنية ذات ولاءات مختلفة، وإدارات أمر واقع، في ظل تراجع شبه كامل لدور مؤسسات الدولة الموحدة.
هذا الواقع يعكس ما كان يصفه صالح بـ"دولة اللادولة"، حيث تصبح الجغرافيا رهينة لتوازنات القوة، وتغيب المرجعيات الدستورية والقانونية الجامعة.

البديل سيكون أسوأ من الصوملة

ان واقع اليوم يتسق مع تحذيرات الصالح فيما مضى، حيث اطلق في مارس 2008 تحذيره  من صوملة اليمن، والبديل الأسوأ في حال تبنت المعارضة حينها ما اسماه برنامج العودة إلى الماضي التشطيري والعودة للمناطقية والقروية .. وتابع "هؤلاء لا يعرفون سياسة الدولة".
انها مصطلحات نجدها اليوم منتشرة بقوة في جنوب الوطن ابرزها "المناطقية والقروية"، فهي نبؤة محققة، ليتابع الصالح حينها قائلا "هناك أصوات نشاز لا تخدم الوحدة الوطنية وليست قادرة على حل مشاكل نفسها وتمارس حقدا وموروثات تشطيرية وأمامية". والاجمل انه ظل يحض على "المحبة والصفاء والتخلي عن عقد الماضي وعدم إثارة البلابل". وهي معان وقيم افتقدناها اليوم بشدة.
ما يجري في البلاد شمالا وجنوبا وفي مناطق اخرى عسكريا، في ظل استمرار تدهور الاوضاع اقتصاديا ومعيشيا تجاوزت حالة الصوملة، والافغنة التي حذر منها الرئيس صالح، الذي حذر ايضا من أن التساهل مع خطاب الانفصال حينها، سيقود في نهاية المطاف إلى طرحه كخيار علني. واليوم، لم يعد هذا الخطاب محصوراً في الشعارات، بل بات جزءاً من خطاب سياسي معلن لقوى فاعلة، تتحدث صراحة عن استعادة دولة الجنوب وتتجه نحو خيارات أحادية.

تصدع الداخل ودور الخارج
دخلت اليمن بعد اسقاط النظام وتدمير الدولة على وقع الفوضى والانقلاب والحروب التي شهدتها عقب ذلك وتدخل الخارج والمشاركة فيها، الى خلق الواقع الراهن، حيث تصدع الداخل ووصل مرحلة الكنتونات والدويلات الغير معلنة، في ظل تواجد خارجي مشكوك في دوره.
وفي هذا الصدد، كان الرئيس الشهيد، اشار الى البلاد في حال انفصل الجنوب، ستدخل في  صراعات داخلية بين مكونات الجنوب نفسه، ومحونات اخرى لديها ارتباطات خارجية، وان حضرموت سيتم فقدانها، وهو ما يتجسد عاى ارض الواقع اليوم، حيث تعددت المواقف والكيانات في المحافظات الجنوبية، واختلاف أولويات نخبها، وظهور توترات بين قوى جنوبية نفسها، وخلقت ترتيبات اقليمية وولدت مواقف دولية.
وهو ما يعزز فكرة أن الأزمة اليمنية لا تقتصر على علاقة الشمال بالجنوب، بل تتجاوز ذلك إلى أزمة دولة وهوية ونظام حكم.
وبالاطلاع على مجريات الاحداث الحالية في الجنوب والبعد الاقليمي والدولي لها، وربطها بما حذر وتحدث الرئيس الصالح حولها، نجد انها مؤكدة للرؤية الرجل الحكيم، أن قيام الدول لا يتحقق بالسيطرة الميدانية وحدها، بل يتطلب اعترافاً دولياً وقدرة على إدارة الدولة وضمان الاستقرار. وفي السياق الراهن، يتعامل المجتمع الدولي بحذر مع أي خطوات قد تقود إلى تفكيك اليمن، لما لذلك من تبعات أمنية وإنسانية وإقليمية.
كما تميل المواقف الإقليمية إلى دعم وحدة اليمن واستقراره، ورفض الخطوات الأحادية، ما يضع مشاريع الانفصال أمام تحديات سياسية كبيرة، والتي اشرنا الي قوله بهذا الخصوص سابقا.

رؤية المؤتمر وفشل الاحزاب 
وحول دور القوى السياسية والاحزاب مما يجري في جنوب الوطن، نجد انها ظلت تتمترس وراء مصالحها الضيقة، ما عدى المؤتمر الشعبي العام الذي ظل يقارع جميع القوى العاملة على هدم اليمن بداية من اسقاط النظام وتدمير الدولة مرورا بالاعتداءات التي طالت كل ما هو يمني، فنال النصيب الاكبر من الهجوم وتعرضت قيادته للاعتقالات والاعتداءات وتلقى الكثير من التهم، لكنه ظل قابتا على مبادئة التي ترتكز على حماية البلاد وصون دماء العباد.
وبالنظر الى الواقع نجد ان المؤتمر كان سباقا بالتحذير مما جرى خلال العقد والنصف الماضي من فوصى بانها تهدد وحدة البلاد ونهجه الجمهوري والديمقراطي، وان صراع المصالح وتداخل الاجندة الخارجية في الشان اليمني تشكل خطرا ليس على الوحدة اليمن ونسيجه الاجتماعي بل وعلى الاقليم والعالم.
ومع كل التطورات والاحداث التي شهدتها البلاد، كان المؤتمر وعبر خطابات نائب رئيس المؤتمر احمدعلي عبدالله صالح، يدعو الى الاصطفاف الوطني وتجاوز المرحلة السابقة من اجل الحفاظ على اليمن ارضا وانسانا واعادته الى طريق التنمية والاستقرار ومواكبة العصر.
ومع تصاعد ازمة الجنوب، نجد ان الجميع انصاع الى ما حذر منه الزعيم الصالح بشان الجنوب، فالمؤتمر الشعبي العام يرى أن ما يجري في الجنوب نتيجة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة، بينما يحذر حزب الإصلاح من أن الانقسام سيقود إلى صراعات أوسع، ويؤكد الحزب الاشتراكي ضرورة معالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع.

اخيرا .. انه مع تحقق جزء كبير مما حذّر منه صالح، من ضعف الدولة وتعدد السلطات وتصاعد الخطاب الانفصالي، لا يزال المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب حسم سياسي شامل، واستمرار الرهان الإقليمي والدولي على تسوية سياسية.
تلك التحذيرات جعلت اليمنيين يستذكرونها بشكل واسع مع ازمة الجنوب والشرق الحالية، اتضح ذلك بحجم اعادة تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤكد ان الزعيم وحزب المؤتمر يظلان صمام اليمن ووحدته وسيادته ومنجزات ثورته.
ويكفي ان نتذكر مقولته الشهيرة " كنت اريد نقل تجربتي في السلطة والحكم الى الشعب وليس الى الفوضى".