ستوكهولم .. سبع سنوات من الوهم ونهاية معلنة لفشل السلام
بعد أكثر من سبع سنوات على توقيع اتفاق ستوكهولم، تُطوى أخيراً صفحة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسار الأزمة اليمنية، مع إعلان انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها)، في اعتراف صريح بفشل الاتفاق في تحقيق أهدافه المعلنة، سواء في إحلال السلام، أو تأمين موانئ الحديدة، أو تنفيذ بنود إعادة الانتشار.
لقد جاء اتفاق ستوكهولم في لحظة مفصلية، حين كانت القوات المشتركة تحقق تقدماً ميدانياً لافتاً، بعد معارك شرسة أوصلتها إلى قلب مدينة الحديدة، وعلى مقربة من مينائها الاستراتيجي، وكانت قاب قوسين أو أدنى من استكمال تحريره وفتح الطريق نحو استعادة العاصمة صنعاء. غير أن هذا التقدم توقف فجأة في 13 ديسمبر 2018م، تحت ضغط اتفاق وُصف منذ اللحظة الأولى بأنه قيد سياسي على انتصار عسكري وشيك.
فرض الاتفاق واقعاً مختلاً، إذ التزمت به الحكومة الشرعية والقوات المشتركة من جانب واحد، في حين تعاملت معه المليشيا الحوثية كفرصة لإعادة ترتيب صفوفها، مستفيدة من حالة التهدئة كطوق نجاة أوقف انهيارها المتسارع. ومع مرور الوقت، تحوّل الاتفاق من أداة للسلام إلى مظلة لإطالة أمد الصراع.
لم يكن فشل الاتفاق مفاجئاً، بل كان متوقعاً في ظل سجل طويل من المراوغة والتنصل الذي انتهجته المليشيات الحوثية في تعاملها مع الاتفاقيات السابقة. فبدلاً من تنفيذ بنود إعادة الانتشار، استمرت الخروقات، وتكرست حالة الجمود، فيما ظلت موانئ الحديدة خارج إطار الإدارة المحايدة التي نص عليها الاتفاق.
سبع سنوات وثلاثة أشهر مضت، لم يجلب خلالها الاتفاق لليمنيين سوى مزيد من المعاناة، إذ أُهدرت فرصة حقيقية لإنهاء الانقلاب، وتكرست حالة الانفلات الأمني، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والإنسانية، في وقت كانت فيه البلاد بأمس الحاجة إلى حسم يعيد الاستقرار ويوقف النزيف.
اليوم، ومع إعلان انتهاء مهمة “أونمها”، يتكرس الفشل كحقيقة لا يمكن إنكارها، ويعكس ذلك قناعة دولية متنامية بعدم جدوى هذا المسار، واستحالة تحقيق اختراق سياسي في ظل تعنت المليشيات الحوثية. كما أن هذا الإعلان يسقط آخر مظلة دولية كانت تمنح الحوثيين غطاء للاستمرار في ممارساتهم دون التزام فعلي.
إن انتهاء هذا الفصل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تتطلب مراجعة شاملة لخيارات التعامل مع الأزمة اليمنية، بعيداً عن الرهانات الخاسرة على اتفاقات غير قابلة للتنفيذ. كما يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية إعادة تقييم موقفه، والانتقال من إدارة الأزمة إلى العمل على إنهائها.
وفي ظل المعطيات الراهنة، تبدو الحاجة ملحة لتحرك أكثر جدية وفاعلية، يعيد الاعتبار لخيار استعادة الدولة، ويدعم جهود تحرير ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيات، وفي مقدمتها مدينة الحديدة، باعتبارها مفتاحاً استراتيجياً لأي تحول ميداني حاسم.
لقد أثبتت تجربة ستوكهولم أن السلام لا يُبنى على التنازلات الأحادية، ولا على اتفاقات تُستخدم كأدوات للمناورة، بل على إرادة حقيقية تفرضها موازين قوة واضحة، وتدعمها مواقف دولية حازمة. وما لم تتغير هذه المعادلة، فإن تكرار الفشل سيظل السيناريو الأكثر حضوراً.