حرب الإخوان على الإمارات: بين الخلاف السياسي وتصفية الحسابات
من المهم، قبل الخوض في هذا الطرح، أن أوضح بصفتي كاتبًا لهذا المقال أنني لا أرتبط بدولة الإمارات العربية المتحدة بأي علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا أنطلق من موقف دفاعي عنها، بل من زاوية رأي سياسي يهدف إلى الإنصاف وقراءة الوقائع بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والاستقطاب الحاد.
لا أحد يمكنه إنكار ما تشهده محافظتا حضرموت والمهرة، ولا الجدل الواسع حول دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو دعم يظل موضع خلاف مشروع ونقد سياسي مشروع كذلك. غير أن ما تجاوز حدود المنطق السياسي هو الحملة الإعلامية الشرسة التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين ضد الإمارات، والتي لم تعد نقدًا لسلوك سياسي بقدر ما تحولت إلى حرب مفتوحة لتصفية حسابات أيديولوجية قديمة، جرى تغليفها بشعارات اليمن ووحدته، وكأنها خطوط حمراء منزلة لا تُمس.
إن الخطاب الإخواني في هذا السياق لا يكتفي بانتقاد الدور الإماراتي، بل يعمل على شيطنته بالكامل، متجاهلًا السياق المعقّد للصراع ومتغافلًا عن أدوار قوى أخرى كانت – ولا تزال – أكثر تأثيرًا في تمزيق الدولة اليمنية. فالأخطاء التي ارتكبتها الإمارات في اليمن، وهي أخطاء حقيقية لا يمكن إنكارها، جرى تضخيمها بصورة انتقائية، بينما تم التغاضي عن أخطاء أكبر ارتكبتها أطراف محسوبة على هذا التيار نفسه.
وعند الحديث عن المشاريع الإماراتية على الأرض، لا يمكن القفز فوق الواقع. فهذه المشاريع موجودة وملموسة في معظم المحافظات اليمنية، من إعادة تأهيل الموانئ والمطارات إلى إنشاء وتطوير البنى التحتية الخدمية، ودعم قطاعات أمنية وخدمية كانت شبه منهارة. يمكن الاختلاف حول دوافع هذه المشاريع وأهدافها السياسية والاستراتيجية، ويمكن – بل يجب – طرح تساؤلات مشروعة حول أثرها على السيادة الوطنية، لكن إنكار وجودها أو اختزالها في كونها أدوات احتلال أو تدمير ممنهج، هو طرح دعائي أكثر منه تحليلًا سياسيًا.
لقد ساهمت الإمارات، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تحريك عجلة الخدمات في مناطق كانت تعيش شللًا كاملًا، ووفرت حضورًا ميدانيًا لم تقدمه أطراف أخرى اكتفت برفع الشعارات وإدارة المعركة من خلف الشاشات. وهذا لا يمنحها صك براءة، لكنه يفرض قراءة أكثر توازنًا، بعيدًا عن منطق "الخير المطلق" و"الشر المطلق".
المفارقة أن جماعة الإخوان تستحضر خطاب الوحدة اليمنية اليوم بوصفه سلاحًا سياسيًا في مواجهة الإمارات، بينما كانت هذه الوحدة نفسها عرضة للتأويل والتفريغ من مضمونها في مراحل سابقة حينما اقتضت مصالحهم ذلك. فالوحدة، كما يبدو في الخطاب الإخواني الراهن، ليست قيمة وطنية ثابتة، بل ورقة ضغط تُستخدم عند الحاجة وتُطوى عند انتفاء الغرض.
إن تحويل الخلاف السياسي مع الإمارات إلى معركة وجودية، وتصويرها باعتبارها العدو الأول لليمن، لا يخدم سوى تعميق الانقسام وإرباك الوعي العام وإطالة أمد الصراع. فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشيطنة، بل إلى خطاب عقلاني يضع كل الأطراف تحت مجهر المساءلة، دون استثناء أو انتقائية.
ختامًا، فإن الإنصاف لا يعني الدفاع عن الإمارات، كما أن النقد لا يعني الاصطفاف مع الإخوان أو غيرهم، بل يعني قراءة المشهد كما هو، والاعتراف بالأخطاء كما هي، ورفض استغلال القضايا الوطنية الكبرى كغطاء لتصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية. وحده هذا النهج كفيل بإعادة النقاش إلى مساره الصحيح، بعيدًا عن المزايدات التي لم تجلب لليمن سوى مزيدًا من الانهيار.