الشورى والديمقراطية.. بين النظرية والتطبيق!!
رغم التشريعات السماوية والقوانين الأرضية التي ترفض الظلم والاستبداد والطغيان بكل أشكاله وأنواعه، وخصوصًا فيما يتعلق بشؤون السلطة والحكم، إلا أنها ظلت في كثير من الأحيان محصورة في الجانب النظري والفكري، وبعيدة كل البعد عن الجانب العملي. بل إنه غالبًا ما جرى تفسيرها وتأويلها وتكييفها وتسخيرها في خدمة أنظمة الحكم الاستبدادية والدكتاتورية في كل زمان ومكان.
ورغم اهتداء العقل البشري اليوناني القديم إلى فكرة حكم الشعب نفسه بنفسه، عبر آلية مبتكرة كانت غاية في المثالية، وحققت لكل أفراد الشعب اليوناني المشاركة الفعلية في الحكم، إلا أن نزعة البشر نحو الاستبداد والطغيان كان لها الدور الكبير في محاربة الديمقراطية اليونانية والقضاء عليها.
ورغم الأفكار الإيجابية والحضارية التي جاءت بها نظرية الشورى في الفكر السياسي الإسلامي، والتي منحت المجتمعات الإسلامية حق المشاركة في اختيار حكامها عبر ما كان يُعرف بالبيعة، والتي طُبّقت خلال فترة الخلافة الراشدة، إلا أنه سرعان ما دبّت الخلافات والصراعات بين المسلمين، لينتقلوا من نظام الحكم الشوروي إلى نظام الحكم الوراثي خلال فترة الخلافة الأموية، ثم إلى نظام الحكم القائم على نظرية الحق الإلهي (الاصطفاء الإلهي) خلال فترتي الخلافة العباسية والفاطمية وغيرها.
وما بين الوراثة والحق الإلهي والقهر والغلبة، ضاعت معالم الشورى الإسلامية، وغرقت المجتمعات الإسلامية في مستنقعات الاستبداد والظلم والطغيان.
كل تلك المشاهد السلبية في تاريخ البشر دفعت العديد من المفكرين الغربيين إلى إحياء فكرة حكم الشعب نفسه بنفسه، من خلال استلهام مبادئ الديمقراطية اليونانية، وقد تمكنوا من تطويرها وتحديثها بما يتلاءم مع مستجدات العصر. فكانت بمثابة نقلة نوعية كبيرة في الفكر السياسي البشري، وخطوة عملاقة في الحد من التسلط والاستبداد والطغيان الذي كان سائدًا في أوروبا خلال القرون الوسطى إبّان الحكم الكهنوتي البابوي. كما منحت المجتمعات الغربية حقوقها وحرياتها الإنسانية، وأعطتها حق المشاركة في اختيار حكامها عبر الانتخابات الحرة والمباشرة. وأصبحت النظرية الديمقراطية الحديثة نموذجًا يُحتذى به لدى كثير من المجتمعات البشرية، وحلمًا يراود أبناء الشعوب التي لا تزال قابعة تحت براثن أنظمة الحكم الاستبدادية والقمعية في مختلف أنحاء العالم.
ورغم الأفكار السياسية الإيجابية والحضارية والإنسانية التي قدمتها النظرية الديمقراطية الحديثة للمجتمعات البشرية، إلا أنها لم تكن بمنأى عن الاختراق من قبل أصحاب النزعة الاستبدادية والتسلطية، المنتمين إلى قوى ومراكز النفوذ، الذين لم يترددوا في تشويه الصورة المثالية للديمقراطية عبر إخضاعها لتحقيق مصالحهم وتلبية رغباتهم ونزواتهم؛ تارةً باستخدام المال واستغلال حاجة الناخب، وتارةً أخرى عبر الإعلام والغش والتزوير، أو باستخدام أساليب الترغيب والترهيب والجاه والنفوذ عند اللزوم، لتطويع الناخب بما يتوافق مع سياساتهم التسلطية وأفكارهم الاستبدادية، وبما يحقق فوزهم، حتى وإن تعارضت تلك الأساليب مع جوهر وغاية الأفكار الديمقراطية.
وهو ما أفقد الديمقراطية كثيرًا من مميزاتها وإيجابياتها في بعض الدول، خصوصًا تلك التي يعاني مواطنوها من التخلف والجهل والفقر وتدني مستوى الوعي، فالأفكار الديمقراطية أفكار راقية وحضارية، وتحتاج إلى عقول واعية ومثقفة ومتعلمة ومسؤولة.
ورغم كل حملات التشويه التي تتعرض لها النظرية الديمقراطية من قوى النفوذ والاستبداد حول العالم، فإن الديمقراطية تظل ـ بكل ما تتعرض له من انتقادات سلبية تستهدف جوهرها ومثاليتها ـ أفضل نظام حكم وصل إليه الفكر السياسي البشري حتى اليوم. وأعتقد أن هناك إمكانية حقيقية للاستفادة من النظرية الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية إذا ما جرى التعاطي معها بإيجابية، وإذا ما وصلت تلك المجتمعات إلى درجة من الوعي والثقافة والنضوج السياسي والفكري، وذلك من خلال إحداث حالة من التكامل بينها وبين الشورى الإسلامية، عبر إخضاعها للقيم والمبادئ الأخلاقية الإسلامية، كالأمانة والمسؤولية والموضوعية.
وأقول هنا، وأنا مسؤول عن كلامي: إذا ما تُوِّجت الديمقراطية بالأمانة والمسؤولية والموضوعية وكل القيم والمبادئ الأخلاقية، فإننا سنكون أمام أعظم وأفضل نظرية حكم في تاريخ البشر.