"مافيش عميل يصبح زعيم"
حين قال الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح: «مافيش عميل يصبح زعيم»، لم يكن يطلق عبارة عاطفية أو شعارًا مرحليًا، بل كان يضع قاعدة وطنية صارمة، لا تتبدل بتبدّل الأزمنة، ولا تسقط مهما حاول المزورون تزييفها.
تلك المقولة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت من خلاصة وعي عميق بأن الوطن لا يمكن أن يُدار بأيدٍ مرتهنة، ولا يُبنى على أكتاف من باعوا قرارهم للخارج، مهما تلونت شعاراتهم أو تزينت خطاباتهم.
فالزعامة الحقيقية، كما كان يؤمن، لا تُمنح من غرف مظلمة، ولا تُصنع في سفارات، بل تولد من رحم المعاناة الشعبية، وتترسخ بالثبات على الموقف، وبالقدرة على اتخاذ القرار الوطني المستقل، ولو كان ثمنه باهظًا.
ومن هنا، كان يدرك الشهيد علي عبدالله صالح –رحمه الله– أن العميل، بطبيعته، يظل أسيرًا لمن صنعه، محكومًا بإرادة غيره، عاجزًا عن تمثيل شعب أو حماية سيادة.
الزعامة ليست صورة على جدار، ولا هتافًا في ساحة، ولا اسمًا يتردد في نشرات الأخبار، الزعامة استقلال إرادة، ومن فقد إرادته صار تابعًا، مهما حاول أن يبدو قائدًا، «لأنه مافيش عميل يصبح زعيم».
الأوطان لا يحرسها المتلونون، أولئك الذين يبدّلون مواقفهم كما تُبدّل الأقنعة، ويكسون الخيانة بأسماء مخملية مثل “المرحلة” و“الواقعية السياسية”. لا تُبنى الأوطان بأيدٍ مأجورة لا ترى في الأرض سوى ثمنها، ولا في الشعب سوى ورقة ضغط أو سلّم عبور نحو مكاسب عابرة. كما أنها لا تُصان بأصوات المطبّلين، فالضجيج مهما علا لا يصنع دولة، والتصفيق الذي يُشترى اليوم يتحوّل غدًا إلى خنجر في الظهر متى تغيّر المموّل.
الأوطان تُحفظ بالثبات لا بالتلوّن، وبالصدق لا بالمساومة، وبالرجال الذين يقدّمون الوطن موقفًا لا صفقة، ومصيرًا لا مشروعًا مؤقتًا. الأوطان تبنى برجال يعرفون أن كلمة “لا” قد تكون في لحظة ما أشرف من ألف “نعم”، وتُبنى بمن يملكون شجاعة الوقوف وحدهم حين يختار الآخرون الاصطفاف في طابور الخطأ، تُبنى بمن يخسرون المناصب ولا يخسرون كرامتهم، لأنهم يدركون أن الكرامة إذا سقطت، لا يعيدها منصب ولا مال.
العميل، مهما ارتدى من أقنعة، يظل أسيرًا لمن يدفع له، يخاف غضب داعميه أكثر مما يخشى غضب شعبه، ويحسب حساب الخارج قبل أن يسمع وجع الداخل. لذلك، لا يصنع العملاء أوطانًا، بل يصنعون أزمات، ولا يقودون شعوبًا، بل يجرّونها نحو الهاوية وهم يزعمون أنهم ينقذونها.
نعم، سيبقى الارتزاق موجودًا، لأن ضعف النفوس لا ينتهي، وستظل العمالة تحاول أن تتخفى خلف مصطلحات “الدهاء” و“الحنكة”، لكن سيبقى أيضًا من يفرّق بين الذكاء والخيانة، وبين السياسة والانتهازية، وبين العمل من أجل الوطن والعمل على حسابه. وفي اللحظات الفاصلة، تسقط الأقنعة بلا استئذان، عند أول اختبار حقيقي.
وفي لحظة الحقيقة، تنكشف المسافات بين من صمدوا دفاعًا عن الوطن، ومن احتموا بخارجه، بين من راهنوا على شعبهم، ومن راهنوا عليه. هناك، حيث لا تنفع الخطب، ولا تُجدي الأقنعة، يُعرف من كان وطنيًا بالفعل، ومن كان مجرد عابر في سوق المصالح.
هكذا تمضي الحقيقة واضحة كالشمس، لا تحتاج إلى تفسير: الذكاء موقف، والحنكة أمانة، والسياسة شرف حين تكون في خدمة الوطن، وخيانة حين تتحوّل إلى تجارة. وفي نهاية الطريق، لا ينجو إلا من اختار الوطن أولًا وأخيرًا.
التاريخ لا يُخدع، ولا ينسى. قد يتأخر حكمه، لكنه حين ينطق، لا يخطئ. يخلّد الشرفاء ولو كانوا قلة، لأن أثرهم أعمق من الضجيج، ويفضح المأجورين ولو ملأوا الشاشات، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى تلميع.
لهذا، ستظل مقولة الشهيد الزعيم حقيقة سياسية ووطنية لا تقبل الجدل:"مافيش عميل يصبح زعيم".