صوت الجوع والوجع في وطن غارق بالانقسامات

منذ أسبوع
مشاركة الخبر:

في وطنٍ يئنّ تحت وطأة الانقسامات والصراعات السياسية، أصبح دور بعض النخب الوطنية، التي تسعى للحفاظ على المبادئ والوطن، مهمةً محفوفةً بالمخاطر والتحديات. فهذه النخب، التي تؤمن بالوطن قبل أي انتماء حزبي أو سياسي، تجد نفسها محاصرة بين تصنيفات الأطراف المتصارعة؛ فانتقاد المجلس الانتقالي المنحل يجعلك متواطئًا مع الحكومة، وانتقاد الحكومة الشرعية يجعلك معارضًا لها، وتسليط الضوء على جرائم الحوثي الإرهابية يصنّفك كمرتزق أو معادٍ لأحد الأطراف الأخرى.

هذا الواقع جعل مهمة النخب الوطنية شبه مستحيلة؛ فهي تحاول الحفاظ على حيادها ما عدى مشروع الحوثي الطائفي الي يجب مواجهته في تقديم رؤية وطنية مستقلة، لكن كل خطوة إلى الأمام تصطدم بسيلٍ من الاتهامات والتشويه السياسي، وكأن الوطنية أصبحت جريمة في زمن الانقسامات.

وفي الوقت نفسه، يعاني الشعب اليمني مأساةً يومية لا يمكن حصرها بالكلمات: أطفال ينامون جائعين، وأسر بلا مأوى، ومرضى يموتون دون علاج، وأسواق مكتظة بالسلع التي لا يقدر المواطن العادي على شرائها. أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما تحطم البطالة بين الشباب أحلامهم وتدفع الكثيرين للهجرة إلى المجهول.

السكان في القرى والمدن على حدّ سواء يشهدون صراعًا يوميًا للبقاء على قيد الحياة. المدارس خالية من الكتب والمعلمين، والمستشفيات فارغة من الأدوية والمعدات الأساسية، والمياه النظيفة أصبحت حلمًا بعيد المنال للكثيرين.

النخب الوطنية التي تحاول توثيق هذه المعاناة وتحليلها بموضوعية، تجد نفسها وحيدةً أمام صمت الأطراف السياسية التي تفضّل الصراع على المال والمناصب على معالجة مشاكل المواطنين. تحاول هذه النخب نقل صوت الشعب، لكن مع كل تقرير أو تحليل، تواجه التشويه والتصنيف، وكأن المسؤولية عن الفشل تقع على من يفضحه لا على من ارتكبه.

الوضع الاقتصادي كارثي، ورواتب الموظفين لا تكفي لسدّ احتياجاتهم الأساسية، بينما ترتفع أسعار المواد الغذائية والمحروقات بشكل جنوني. المواطنون يئنّون من الجوع والحرمان والمرض، ويعيشون حالة يأس مستمرة، فيما الأطراف السياسية منشغلة بمصالحها الخاصة بعيدًا عن معاناتهم.

تؤمن هذه النخب الوطنية بأن الوطن لا يمكن أن ينهض إلا إذا تجاوز الجميع الانقسامات، وتوحّد الجهد لإنقاذ الشعب من الجوع والفقر والحرمان و الحوثي. رسالتهم هي نقل الحقيقة، وحماية الحقوق، والمطالبة بالعدالة، حتى لو كان ذلك على حساب حياتهم المهنية أو السياسية.

وفي غياب العدالة والحوكمة الرشيدة، يظل الشعب الضحية الأولى، بينما تتحمّل النخب الوطنية العبء الثقيل لإبقاء صوت الحقيقة حيًا، وضمان أن تبقى معاناة المواطنين أمام أعين الجميع، حتى لا يختفي الوطن خلف صراعات الأطراف ومطامعهم الشخصية.