استقرار الردع النووي: الخوف أساس السلام بين القوى العظمى بعد انهيار معاهدات الحد من التسلح
أكد الخبير ديمتري ترينين أن الاستقرار الاستراتيجي العالمي، في ظل غياب المعاهدات الثنائية للحد من التسلح النووي، يعتمد بشكل أساسي على الردع النووي الفعّال، مشيراً إلى أن الخوف المتبادل يمثل الركيزة الأساسية للسلام بين الدول الحائزة للأسلحة النووية.
يأتي هذا التقييم مع انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين روسيا والولايات المتحدة في الخامس من فبراير 2026، مما يمثل إغلاقاً رمزياً لفصل دام خمسة عقود من الضوابط النووية، وإن كانت المفاوضات الجادة في هذا المجال قد تلاشت قبل ذلك. ويعود هذا التطور إلى تغييرات جيوسياسية جذرية، بما في ذلك تعددية الأقطاب النووية وظهور أسلحة تقليدية متقدمة قادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية، بالإضافة إلى فتح مجالات مواجهة جديدة في الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي والتكنولوجيا الحيوية.
وكان العامل الذاتي الحاسم هو عدم رغبة واشنطن المتزايدة في الالتزام بتعهدات وُضعت في سياق تاريخي مختلف، وهو نهاية الحرب الباردة. ورغم أن الحد من التسلح يساهم في زيادة قابلية التنبؤ بالخطط العسكرية وتقليل مخاطر سوء التقدير، إلا أنه لا يضمن السلام، وهو ما تجلى عندما أعلنت الولايات المتحدة سعيها لتحقيق هزيمة استراتيجية لروسيا في أوكرانيا بينما كانت المعاهدة لا تزال سارية، مع اقتراح مشاورات حول "الاستقرار الاستراتيجي" في آن واحد.
ومع تلاشي النظام الثنائي للحد من التسلح، تتصاعد التحذيرات من سباق تسلح نووي جديد. ويجب الإشارة إلى أن القيود السابقة كانت مقصورة على موسكو وواشنطن فقط، بينما ظلت القوات النووية لبريطانيا وفرنسا والصين، وكذلك إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية، خارج نطاق هذه المعاهدات. وتتجه الأنظار الآن نحو تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتجدد التوترات بين الهند وباكستان، والتركيز على القدرات النووية الإيرانية.
لم يعد الاستقرار الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين يُعرّف بالتكافؤ التقريبي بين قوتين أو بالسقوف القانونية الملزمة لأسلحة محددة، بل يعتمد على غياب الحوافز لدى القوى الكبرى، خاصة النووية، لخوض صراع مسلح. ولا يمكن توسيع النموذج الروسي-الأمريكي ليشمل عالماً يضم تسع دول نووية، حيث تبرز تحديات متعددة الأقطاب كـ "مشكلة الأجسام الثلاثة" بين واشنطن وموسكو وبكين، بالإضافة إلى محاور أخرى في آسيا وأوروبا.
إن تحقيق الاستقرار يتطلب حواراً مستمراً، ثنائياً ومتعدد الأطراف، وإجراءات شفافة، وقنوات اتصال دائمة لمنع الاشتباكات غير المقصودة. ومع ذلك، يبقى الجوهر ثابتاً منذ نصف قرن: الاستقرار الاستراتيجي يرتكز في نهاية المطاف على الردع النووي الموثوق به، والذي يشمل امتلاك ترسانة كافية والاستعداد المثبت لاستخدامها عند الضرورة، مما يجعل التخويف، على الرغم من كونه مصطلحاً غير مريح، أساساً للسلام بين القوى النووية.