الإصلاح اليمني: من مشروع دولة إلى شبكة مصالح في قلب الأزمة
منذ أن انزلقت البلاد في دوامة الفوضى، لم يظهر حزب التجمع اليمني للإصلاح كقوة تسعى لبناء دولة، بل ككيان يستغل الانهيار لتحقيق النفوذ والثراء. لقد عمل الذراع اليمني لتنظيم الإخوان المسلمين على إعادة تشكيل المشهد لخدمة مصالحه الخاصة، حتى أصبح الحزب، في نظر الكثيرين، مرادفاً للنكبة التي حلت باليمن، لا مجرد طرف فيها.
تكشفت صورة شبكة مصالح واسعة لا ترى في الحرب سوى سوق مفتوحة؛ بدأت من سرقة الدعم والسلاح في الجبهات، مروراً بنهب المساعدات الإغاثية من أفواه المحتاجين في المدن المنكوبة، ووصولاً إلى الاستحواذ على القرارات الأمنية والعسكرية وإقصاء الكفاءات لصالح الولاء الحزبي. المعارك لم تعد تدور حول التحرير بقدر ما أصبحت عناوين للحصول على التمويل، الذي يتوقف لاحقاً بينما تتكدس الثروات في حسابات خاصة خارج البلاد.
في تعز، المدينة التي دفعت ثمناً باهظاً، لم يكن الحصار الخارجي هو المأساة الوحيدة؛ فقد تحولت داخلياً إلى مساحة للنفوذ والجبايات، ومختبر لتجريف مؤسسات الدولة. تحدث المحافظ السابق أمين محمود بمرارة عن تعطيل مسار التحرير بسبب احتكار القرار العسكري وإبعاد الضباط المهنيين، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى مجرد ملحق حزبي. النتيجة كانت جيشاً مثقلاً بالولاءات، وجبهة ضعيفة، ومدينة عالقة بين شعار التحرير وواقع الاستنزاف المؤلم.
الأموال المتدفقة لدعم المقاومة لم تصل كاملة إلى خطوط النار. تقارير محلية أشارت إلى اختفاء مئات الآلاف من السلال الغذائية الموجهة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وتبخر مخصصات الجرحى ورواتب المجندين في دهاليز اللجان. وبرز اسم حمود سعيد المخلافي كشخصية جمعت ثروات طائلة باسم المعركة، قبل أن تتجه استثماراته إلى الخارج، تاركاً المدينة غارقة في العتمة والبطالة. حتى الأموال المرصودة لـ "خطة تحرير تعز" لم تُترجم إلى شبر واحد محرر، مما عزز القناعة بأن الشعار كان جسراً للتمويل أكثر منه هدفاً وطنياً.
وفي مأرب، حيث ثروات النفط والغاز، اتخذ النفوذ شكلاً أكثر تنظيماً عبر السيطرة على الموارد وتوجيه العائدات لخدمة التمكين السياسي والعسكري. وبينما يعاني اليمنيون من انقطاع الرواتب والخدمات، كانت القيادات تعزز ثرواتها بمشاريع استثمارية خارج البلاد. وتتكرر الرواية ذاتها في حضرموت وشبوة، حيث محاولات الهيمنة على عائدات النفط وإدارة الموارد بعقلية الحزب لا بعقلية الدولة.
الأخطر من ذلك هو أن الحزب لم يكتفِ بالاستفادة من هشاشة الدولة، بل أسهم في تعميقها، عبر رفض تسليم الإيرادات العامة للبنك المركزي وإدارة الوحدات العسكرية كأذرع تنظيمية. هذا السلوك يمحو عمداً الخط الفاصل بين الحزب والدولة، ويجعل الشرعية مجرد شعار يُستخدم عندما يخدم المصلحة الحزبية. إن اليمن اليوم يحتاج إلى قوى سياسية تبني مؤسسات وتعيد الاعتبار للكفاءة، وأي حزب يصر على تحويل المعاناة إلى رصيد مالي، يسجل اسمه في ذاكرة اليمنيين كجزء من الكارثة، وليس الخلاص.