سقوط الميليشيا الحوثية .. حين تنتهي لعبة المصالح الدولية
منذ أكثر من أحد عشر عاماً، تواصل الميليشيا الحوثية انقلابها على الدولة اليمنية، فارضةً سيطرتها على عدد من المحافظات، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء. وقد طال أمد هذا المشهد حتى أرهق اليمنيين سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، وأدخل البلاد في واحدة من أعقد أزماتها المعاصرة.
إن استمرار هذه الجماعة طوال هذه السنوات لا يمكن تفسيره بمعادلات القوة العسكرية، ولا بالقبول الشعبي لمشروعها الطائفي ونهجها العنصري، بل يرتبط بدرجة كبيرة بتشابك المصالح الإقليمية والدولية، التي وجدت في بقائها ورقة ضغط وأداة نفوذ.
فعلى امتداد السنوات الماضية، روّج المجتمع الدولي لخطورة هذه الجماعة على أمن اليمن والمنطقة، محذّراً من تهديداتها للملاحة الدولية ولدول الجوار. إلا أن هذا الخطاب لم ينعكس في مواقف حاسمة تنهي الانقلاب، بل اتسمت السياسة الدولية بالتردد والتناقض؛ فبين التحذير من خطرها، والامتناع عن دعم خيار الحسم العسكري لإنهاء انقلابها، بدا أن السياسة الدولية تدير الأزمة أكثر مما تسعى لإنهائها.
وتجلّى هذا التناقض في التغاضي عن سيطرة الميليشيا على مؤسسات الدولة واستحواذها على الموارد والإيرادات العامة، وفي التعامل مع ابتزازها السياسي والعسكري والإنساني باعتباره أمراً واقعاً. كما عارضت قوى دولية مسار الحسم الذي كان يمكن أن يضع حداً للانقلاب، ما أتاح للجماعة إعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قدراتها على حساب معاناة الشعب اليمني وأمن المنطقة.
إن بقاء الميليشيا الحوثية لم يكن نتيجة تفوق حاسم بقدر ما كان ثمرة مظلة حماية سياسية غير معلنة فرضتها حسابات المصالح الدولية. فكلما اقتضت تلك المصالح استمرار التوتر، ظل الملف اليمني مفتوحاً، وبقيت الجماعة أداة ضمن معادلة إقليمية أوسع.
غير أن تجارب التاريخ تؤكد أن الجماعات المسلحة التي تنشأ في ظروف استثنائية وتستمد قوتها من تقاطعات المصالح والصراعات الدولية سرعان ما تتراجع حين تتغير المعادلات. وعندما تستكمل المخططات وتنتهي رهانات المصالح، ستفقد هذه الميليشيا أسباب بقائها، وسيتكشف حجمها الحقيقي بعيداً عن الدعم غير المباشر الذي حظيت به.
وحينها، قد يتوافر الغطاء الدولي لتمكين الشرعية من بسط نفوذها على كامل التراب اليمني. ومع توفر الإرادة السياسية والدعم الحاسم، يمكن أن تتهاوى هذه الجماعة سريعاً، بما يعكس هشاشة بنيتها واعتمادها الطويل على بيئة صراعية صنعتها الظروف الدولية.
ومن هنا، تتجدد الدعوة إلى قيادة الشرعية ممثلةً بمجلس القيادة الرئاسي، وإلى المملكة العربية السعودية بصفتها قائدة التحالف العربي الداعم للشرعية، للعمل على تجريد الميليشيا من موارد الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مسار استعادة الدولة بكافة الوسائل المشروعة.
فالوقت ليس عنصراً محايداً في هذا الصراع، إذ إن كل يوم يمر يمنح الجماعة فرصة إضافية لتعزيز نفوذها وتوسيع دائرة تهديدها وتعميق معاناة اليمنيين. إن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وطنية وإقليمية تفرضها مسؤولية حماية اليمن وصون أمن المنطقة.
وعندما تتغير موازين المصالح، وتسقط الحسابات الضيقة، سيبقى اليمن أكبر من كل الميليشيات، وستعود الدولة لتنهض من تحت ركام الانقلاب.