الإلهاء والشائعة..السلاح المشترك والمتبادل في أزمة اليمن

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

الإلهاء ظاهرة عامة يندرج وربما يختلط في استخداماتها السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، وتبرع في التغطي والاحتماء بها عادة الأنظمة الفاشلة، لأنها بحاجة إليها كغطاء لكل ما ليس له غطاء.. وكثيرا ما يتم استخدامها إلى جانب الشائعات في الحروب والأزمات السياسية لأغراض كثيرة، منها كسب الوقت وكسب الجماهير وشغلهم عن القضايا المصيرية والحساسة، بقضايا جانبية ذات أهمية متدنية، وأحيانا بقضايا غاية في التفاهة، إلا أنها قادرة على لفت الانتباه العام، وشغله ما يمكن من الوقت.. كما يأتي في غايات هذه الظاهرة أو السياسة أيضاً تحسين أو تشويه الصورة، وفرض الواقع دون الحاجة للقوة أو إحداث فجوات بين مصدرها والمستهدفين بها..

وكثيرا ما تعتمد هذه الظاهرة في تفشيها ونجاحها وتحقيق أهدافها على الجهل وتدني الثقافة بالدرجة الأولى، وتنجح بشكل كبير في المجتمعات، لا نقول البدائية في عصر كهذا، وإنما يمكن القول المجتمعات ذات التعليم والثقافة المتدنيين، والمجتمعات التي تعرف بكونها محافظة ومتدينة وذات نوازع عصبية وقومية، فضلاً عن إدراك مصدر الإلهاء والشائعة للأفكار العامة والمجمع عليها، وأيضاً للحاجات الضرورية والماسة للهدف المتمثل في عامة الشعب، واللعب عليها باستغلالها والمناورة بها.. وكل هذه الصفات وتلك الحالات تجتمع متآلفة ومتعاضدة في المجتمع العربي، وإن تفاوتت من بلد لبلد، إلا أن المجتمع اليمني ربما يحتل مقدمة البلدان العربية في الاقتران بمجمل تلك الصفات وواقعية الحال..

وتعتبر ظاهرة أو سياسة الإلهاء من أكثر السياسات أو الظواهر التي فرضت نفسها وفرضها المتصارعون في اليمن، في كل طرف دون استثناء، بل واستثمروها ولا يزالون يستثمرونها في صراعهم.. وربما توقفنا مراراً بالحديث والكتابة عن هذا الموضوع، ولكنه موضوع يستحق التوقف والإعادة والإشارة، بل ويفرض ذلك فرضاً، لأن هذه الظاهرة أو السياسة ملازمة للأزمة اليمنية منذ بداياتها ولا تزال قائمة، حتى أنها أصبحت منتجاً مهماً من منتجات الأوكار السياسية والمطابخ الإعلامية.. خصوصاً وقد وجدت أمامها ميداناً هو الأخصب لنموها وفاعليتها، والمتمثل في الجمهور الشعبي اليمني، الذي يمتاز كما أشرنا سابقاً عن غيره من المجتمعات بالتأثر العاطفي الكبير، والذي ترتفع فيه من جهة أخرى نسبة الأمية الثقافية والسياسية بشكل يجعل منه من أوفر البيئات المجتمعية تقبلا وتفاعلا وتأثرا مع سياسات الإلهاء وتفشي الشائعات..

ومما يفرض إعادة الكتابة والحديث عن هذا الموضوع في الشأن اليمني أن هذه الظاهرة أو السياسة ربما اكتسبت باستمرارها ولزومها بعدا أو أبعادا ومواصفات جديدة في الأزمة اليمنية.. فكثراً ما تشعرنا عمليات الإلهاء التي تمارس عند هذا وذاك من الأطراف وكأنها صادرة من معمل أو مصدر واحد، هو من ينظمها وينتظمها ويقوم بتقسيمها حسب خبراته بالشأن اليمني عموماً، وحسب فاعلياتها الظرفية والجغرافية.. حد أن المتابع يشعر وكأن هناك اتفاقاً بالقبول والرضا بين هذا وذاك في استخدام هذا الإلهاء أو تلك الشائعة، وكأن هناك مصلحة عامة لكل الأطراف لابد من الحفاظ عليها ولا يجب المساس به إطلاقاً.. ونعم تشخص تلك المصلحة متمثلة في استمرار الأزمة والمحافظة على بقائها في المسار والسرعة اللذين هي فيه، دون حياد أو تسارع قد يهدد الاستمرار والمصالح المرتبطة بكافة الأطراف..!!

وفي هذا السياق يأتي الجديد الذي أضافته الأزمة اليمنية في ظاهرة أو سياسة الإلهاء والشائعة متمثلاً التعدد والتبادل الكائن في المصدر والهدف، علماً أن من يقف وراء ذلك لا ينجح وإن بدا له في الحوول دون الشعور بواحدية المصدر والهدف.. فأحياناً يستهدف كل طرف جمهوره وهذا أمر طبيعي، وأحيانا يستهدف هذا الطرف جمهور الطرف الآخر والعكس، وأحيانا أخرى يستهدف هذا الطرف أو ذاك منفردا عامة الشعب.. وحين يضيق الحال ذرعا ويسوء مستوى القابلية لدى العامة وتتراجع المواقف من جميع الأطراف، سرعان ما تشعر وكأن كل الأطراف تتحد وتتفق مع بعضها للإطاحة بالرأي العام، تحت شعارات سياسية ووطنية مشتركة وطرق مبتكرة لا تكاد تتباين أو تتعارض، لاستعادة الشعبية والثقة.. وهذا بدوره ما يوحي بأننا نتعامل مع مصدر خفي واحد، هو من يدير الأزمة/اللعبة من حولنا، ويتحكم في مساراتها، وأن تلك الأطراف جميعها ليست أكثر من أدوات تنفيذ تتصدر المشهد وتتظاهر بإدارته..!!