بين الرياض وصنعاء… أيُّ طريق يعيد الدولة إلى اليمن؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في ميونيخ قيل كلام كثير عن الدولة، والسيادة، والطريق الذي يمرّ حتماً عبر الخارج قبل الداخل. حديثٌ عن اندماج في المنظومة الخليجية، وشراكة استراتيجية واسعة، وما يشبه “خطة مارشال” تعيد إعمار ما هدّمته السنوات العجاف. لا بأس في الطموح، فالسياسة بلا طموح إدارةُ أزمةٍ لا أكثر. لكن السؤال الذي بقي معلقاً في الهواء: أين اليمن في كل ذلك؟

ليس في طلب العون عيب، ولا في الاحتماء بالعمق الإقليمي خطيئة. اليمن جزء من محيطه، وتاريخه الحديث يشهد أن الدعم الخليجي كان، في محطات مفصلية، خشبة خلاص. غير أن الدولة لا تُستعاد ببلاغة الامتنان وحدها، بل بخطةٍ تبدأ من الداخل. حين يُقال إن الطريق الآمن يمر عبر الرياض، يحق لليمني أن يسأل: وأين تمرّ الطريق عبر عدن وتعز والمكلا؟ 

وأين موقع القرار الوطني بين الشراكة والارتهان؟

الكلام عن تجريم الطائفية وضبط السلاح المنفلت جميل، لكنه يظل عنواناً بلا متن إن لم يُرفق بآليات واضحة. اليمنيون تعبوا من سماع وعود نزع السلاح وبناء المؤسسات. يريدون أن يعرفوا: كيف سيُنتزع السلاح من قوى الأمر الواقع؟

 كيف ستُبنى مؤسسة أمنية موحدة في بلد تتقاسمه الولاءات؟ 

وكيف ستُستعاد هيبة الدولة في ظل اقتصاد هش وإدارة مثقلة بالفساد؟

الإشادة المتكررة بالدور السعودي مفهومٌ في سياق التحالف. فـالمملكة العربية السعودية لاعب رئيسي في المعادلة اليمنية، شئنا أم أبينا. لكن الدول تُقاس بقدرتها على الحفاظ على مسافة التوازن: تحالفٌ بلا تبعية، وشراكةٌ بلا ذوبان. الاستقلالية ليست شعاراً رومانسياً، بل شرط ثقة بين الحاكم والمحكوم.

أما الرهان على دعمٍ خليجي واسع، فضرورته لا تُنكر، لكن التجارب تقول إن المال لا يبني دولة ما لم تسبقه إدارة رشيدة ومؤسسات نظيفة. الإعمار يبدأ بإصلاح الجهاز الإداري، ومحاربة الفساد، وإطلاق الاقتصاد المحلي. لا يكفي أن تأتي الأموال، بل يجب أن تجد دولة قادرة على توظيفها. وهنا يبرز دور مجلس التعاون الخليجي، لا كبديل عن الإرادة الوطنية، بل كرافعة لها إن وُجدت.

وفي الحديث عن التهديدات الإقليمية، تعود المواجهة مع إيران إلى الواجهة، ومعها سردية الصراع مع الميليشيات. الواقع يحمل شواهد تؤيد هذا القلق، لكن السياسة ليست توصيفاً للخطر فقط، بل اقتراح طريق للخروج منه. المطلوب رؤية تنقل اليمن من هدنة هشة إلى سلام مستدام، ومن صراع بالوكالة إلى دولة مكتملة السيادة.

المعضلة الحقيقية ليست في الاندماج الخليجي، بل في معادلة الداخل: كيف تُبنى شراكة وطنية حقيقية؟ كيف تُعالج القضية الجنوبية من جذورها لا بترقيعها؟ كيف يُعاد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها عاصمة إقليمية، بل عقد اجتماعي جديد يصوغه اليمنيون بأنفسهم.

اليمن لا يحتاج إلى مقعدٍ في مجلسٍ إقليمي بقدر ما يحتاج إلى تثبيت أقدامه على أرضه. فإذا استقام الداخل، استقام الخارج. وإذا قامت الدولة على عقدٍ واضح بين السلطة والمجتمع، صار الاندماج خيار قوة لا خيار حاجة. الطريق إلى الرياض قد يكون مهماً، لكن الطريق إلى صنعاء أهم. هناك تبدأ الحكاية، وهناك تنتهي.