لاغارد تدعو أوروبا لـ"أمننة الاقتصاد" لمواجهة التفوق التكنولوجي والمالي الأمريكي
أكدت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، خلال مؤتمر ميونخ للأمن 2026، أن القضايا الاقتصادية الأوروبية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والسيادة، مشيرة إلى أن أوروبا دخلت مرحلة تتطلب "أمننة الاقتصاد" لنقل الاهتمام من مجرد الكفاءة المالية إلى الاستقرار الاستراتيجي في ظل التنافس الجيواقتصادي المتزايد.
أوضحت لاغارد أن الاعتماد لعقود على سلاسل الإمداد العالمية منخفضة التكلفة كشف عن هشاشة استراتيجية، حيث يمكن لانخفاض الإمدادات من الموردين البعيدين جيوسياسياً أن يقلص القيمة المضافة للتصنيع الأوروبي بنسب كبيرة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا الأساسية. وأشارت إلى أن النقاش لم يعد فنياً بحتاً، بل أصبح مرتبطاً بالردع والتوازن في عالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية المتنافسة.
وصفت لاغارد التحولات في السياسات الاقتصادية الأمريكية بأنها كانت بمثابة "ركلة" أيقظت القادة الأوروبيين، مبرزة ثلاثة أبعاد للتفوق الأمريكي؛ أولها الفجوة التكنولوجية التي تتضح في الإطلاقات المدارية، وثانيها الهيمنة المالية للدولار نتيجة عمق الأسواق الأمريكية مقارنة بتجزؤ أسواق رأس المال الأوروبية، وثالثها المرونة التنفيذية للسياسات الصناعية الأمريكية الداعمة للقطاعات الاستراتيجية.
لمواجهة هذا الواقع، طرحت لاغارد مسارات ثلاثاً تتمثل في الاستقلالية عبر توطين الصناعات، وبناء نقاط قوة لا غنى عنها، والتنويع الذكي للشراكات. وحذرت في الوقت ذاته من فخ "الأبطال المجوفين"، وهي شركات محمية سياسياً لكنها تفتقر إلى القدرة التنافسية العالمية، مما يؤدي إلى إهدار الموارد. وأكدت أن الاستقلالية لا تعني الاكتفاء الذاتي، بل بناء قوة انتقائية في المفاصل الاستراتيجية.
تتطلب خارطة الطريق الأوروبية تحركاً متزامناً على أربعة مستويات، أبرزها الاستهداف الدقيق للاستثمار في نقاط الاختناق الحرجة في سلاسل الإمداد لضمان "أهمية حتمية" للتقنية الأوروبية. كما شددت على ضرورة تفعيل السيادة المالية من خلال بناء سوق مالية أوروبية موحدة، وإدماج الإنفاق الدفاعي مع الصناعات التكنولوجية المدنية لسد فجوة الابتكار، وتنويع الشركاء التجاريين لضمان المرونة الاستراتيجية.
وفي الختام، لا تسعى لاغارد إلى القطيعة، بل إلى إعادة تموضع أوروبي فاعل، معتبرة أن نجاح أوروبا في تحويل اليورو إلى ركيزة سيادة مالية وتطوير سياسات صناعية دقيقة هو ما سيحدد قدرتها على المساهمة في صياغة توازن دولي جديد بدلاً من التأثر بالتقلبات العالمية.