جدلية العدل أولًا أم الأمن في بناء الدولة؟
تُعد ثنائية «العدل والأمن» من أكثر الإشكاليات حضورًا في الفكر السياسي والنقاشات العامة، لا سيما في الدول التي تعيش أزمات بنيوية وصراعات ممتدة، كما هو حال اليمن.
تطرح تساؤلات مشروعة في ظل الأوضاع الراهنة بالعاصمة المؤقتة عدن، مع انحسار دور المجلس الانتقالي وعودة الحكومة بكل ثقلها بعد مخاض عسير وترتيبات معقدة لا تزال معرضة للانتكاسة في أي وقت.
وقد ظل سؤال الثنائية مطروحًا بإلحاح: أيهما أَوْلى لقيام الدولة واستقرار المجتمع؛ العدل أم الأمن؟ هل يتحقق الأمن أولًا ليُفسح المجال للعدل، أم أن العدل هو المدخل الحقيقي للأمن والاستقرار؟
لم يعد هذا السؤال اليوم ترفًا فكريًا أو نقاشًا أكاديميًا معزولًا، بل تحوّل إلى معضلة واقعية تتجسد بوضوح في ما تشهده بعض المحافظات الجنوبية والشرقية من إشكالات أمنية، وتعدد مراكز القوة، وغياب سلطة القانون، وتراجع ثقة المواطن بقدرة الدولة على الحماية والإنصاف معًا.
في سياق بناء الدول وتطورها، أرى أن العدل هو الأساس والمنطلق الذي يرتكز عليه الأمن. فالعلاقة بينهما علاقة تكامل لا تضاد؛ إذ يمهّد العدل لاستقرار أمني مستدام، بينما يوفر الأمن البيئة اللازمة لتطبيق العدالة واستمرار التنمية. وقد أكد ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن «العدل أساس الملك»، باعتباره شرط بقاء الدول واستمرار عمرانها، بينما يشكّل الظلم مؤشرًا على خرابها وسقوطها.
ولا يقتصر أثر العدل على تحقيق الاستقرار فحسب، بل يمتد ليعزز الشعور بالانتماء والولاء للدولة، ويحفظ كيانها، ويمكّنها من النهوض مجددًا حتى بعد الحروب والدمار. وفي هذا السياق، تُستحضر فكرة ونستون تشرشل بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان أول أسئلته عن حال القضاء، في إشارة دالة إلى مركزية العدالة في تعافي الدول وبقائها.
وقد انقسمت الآراء بين من يرى أن الأمن شرط سابق لكل إصلاح، ومن يذهب إلى أن غياب العدل هو السبب الجوهري لانعدام الأمن، بينما يذهب رأي ثالث، وهو الأقرب إلى الواقع، إلى أن العدل والأمن متلازمان ومتكاملان، ولا يمكن لأي منهما أن يستقر دون الآخر، وأن غيابهما معًا ليس خللًا جزئيًا في السياسات، بل مؤشرًا صريحًا على غياب الدولة نفسها.
وتؤكد التجربة اليمنية الراهنة أن الأمن المنفصل عن الدولة أو القائم على قوى موازية ومليشياوية لا يُنتج استقرارًا، بل يراكم الإحساس بالظلم، ويغذي الصراع، ويقوّض السلم المجتمعي. كما أن الحديث عن العدل في ظل غياب مؤسسات الدولة، وتعدد مصادر القرار، وانعدام سيادة القانون، يتحول إلى شعار أخلاقي بلا مضمون عملي.
في التراث الإسلامي، يُنظر إلى العدل بوصفه قيمة عليا وجوهرية، كما تؤكد النصوص القرآنية والسنة النبوية، وتجسده المقولة الخالدة: «حكمت فعدلت فأمنت». غير أن هذه الحكمة لا تعني الاستغناء عن الأمن، بل تؤكد أن الأمن المستدام لا يقوم إلا على العدل، وأن العدل لا يمكن إنفاذه إلا عبر سلطة شرعية تمتلك أدوات القوة المشروعة، وتخضع في الوقت ذاته للمساءلة والرقابة.
أما في الفكر السياسي، فقد قدّم الفارابي نموذجًا متكاملًا للتنمية السياسية يقوم على أربعة مرتكزات: «خصب دائم، وأمن شامل، وعدل تام، وأمل فسيح»، وهو نموذج يعكس وعيًا مبكرًا بأن الاستقرار ليس نتاج عامل واحد، بل حصيلة منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات. ويعزز ذلك قول ابن خلدون مجددًا إن العدل ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل قاعدة سياسية تحفظ الدولة والعمران.
إن الإشكالية في السياق اليمني المعاصر لا تكمن في المفاضلة بين العدل والأمن، بل في غياب الآليات المؤسسية القادرة على تحقيقهما معًا. فالأزمة الحقيقية هي أزمة دولة، وأزمة حكم، وأزمة احتكار مشروع للقوة، وأزمة سيادة قانون، وليست مجرد خلل أمني عابر أو قصور إداري محدود.
من هنا تبرز أهمية المشروع الوطني بوصفه مدخلاً لإعادة بناء الدولة على أسس الحكم الرشيد، الذي لا يفصل بين الأمن والعدل، بل يدمجهما في إطار واحد قوامه: العدالة والمساواة، سيادة القانون، الشفافية والمساءلة، المشاركة الشعبية، وحدة المؤسسات الأمنية والعسكرية، والتنمية العادلة في توزيع الموارد والفرص.
فلا أمن دون مساءلة، ولا عدل دون قانون، ولا دولة دون مؤسسات، ولا استقرار في ظل تعدد السلطات وازدواج القرار.
ومن هنا تأتي أهمية ترسيخ هذه الثنائية وجعلها شوكة ميزان وحافزًا، بحيث لا يمكن معالجة أوضاع عدن وباقي المحافظات عبر إجراءات أمنية معزولة، بل ضمن رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للدولة باعتبارها الضامن الوحيد لحقوق الأفراد، والحكم العادل بين المجتمع وقواه المختلفة.
الخلاصة:
من الناحية الهيكلية والفلسفية، يأتي العدل في المرتبة الأولى، لأنه يمنح الدولة شرعية البقاء والاستمرار، بينما يأتي الأمن في المرتبة الثانية بوصفه أداة لحماية العدل وضمان استقرار المجتمع. وبدون هذا الترتيب القيمي والمؤسسي، سيظل الجدل قائمًا، وستظل الأزمات تتكرر بأشكال أكثر تعقيدًا وكلفة.