رمضان في صنعاء: ألم العوز يطغى على بهجة الشهر الفضيل و فقر يعانق الشوارع

رمضان في صنعاء: ألم العوز يطغى على بهجة الشهر الفضيل و فقر يعانق الشوارع
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

بينما يتأهب اليمنيون لاستقبال شهر رمضان، شهر التراحم والتكافل، تبدو العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي وكأنها تعيش واقعاً مؤلماً يطغى فيه الفقر المدقع على أجواء الشهر المبارك، حيث تحولت الشوارع والأرصفة إلى مشهد يومي للتسول الذي يشارك فيه الأطفال والنساء وكبار السن بحثاً عن لقمة العيش.

في شوارع صنعاء، تتجسد قصص المعاناة؛ فالنساء والأطفال يفترشون الأرصفة، يحملون بين طيات حكاياتهم مرارة فقدان المعيل أو توقف مصادر الرزق. الطفل سالم، البالغ من العمر اثني عشر عاماً، يخرج قبل الإفطار حاملاً جرة صغيرة لجمع التبرعات بعد أن أقعد المرض والده، ويقول بحسرة إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكن واجبه اليوم صار تأمين طعام أسرته. وفي حي مجاور، تجلس أم أحمد قرب أحد المساجد، تروي بحزن: "لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام أصعب من أي وقت مضى".

المعاناة لا تقتصر على الأسر المتضررة مباشرة؛ فالموظف الحكومي عبد الله، الذي لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، يجد نفسه مضطراً للاعتماد على المساعدات لتأمين أبسط الاحتياجات، معبراً بأسى: "خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أطلب العون، لم نصل إلى هذه الحالة إلا بسبب غياب الحلول والاهتمام الحقيقي بمعاناة الناس".

تتكرر هذه المشاهد الإنسانية القاسية في محافظات أخرى كإب وذمار، حيث تصطف النساء لساعات طويلة أمام المطابخ الخيرية المحدودة الموارد للحصول على وجبات بسيطة تكفي ليوم كامل. أم عبد الله، النازحة التي تعيل خمسة أطفال، تضطر للاستيقاظ قبل الفجر لتأمين مكان في الطابور، لكنها كثيراً ما تعود خالية الوفاض، بينما تقطع نساء أخريات مسافات طويلة سيراً على الأقدام ولا يحصلن في النهاية إلا على حسرة المشاهدة.

تؤكد البيانات الأممية أن الأزمة تتفاقم، حيث ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات إلى أكثر من 22 مليون شخص، وتضاعفت نسبة الأسر التي اضطرت إلى اللجوء إلى التسول لتأمين الغذاء من 5-6% قبل ثلاث سنوات إلى نحو 10% حالياً، وهو تحول خطير يشير إلى أن أسرة يمنية من كل عشر أسر تعتمد اليوم على التسول كنمط حياة اضطراري للبقاء.

يحذر المختصون من أن استمرار هذا التدهور سيؤدي إلى تفكك اجتماعي واسع وتزايد معدلات الجريمة والهجرة الداخلية، مشيرين إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر؛ فهن يعانين من الجوع الحاد، ويفتقرن إلى خدمات الصحة الإنجابية، بينما تقدر الأمم المتحدة وفاة ثلاث نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل والولادة.

إن الواقع المعيشي للأسر اليمنية في رمضان هذا العام يكشف بوضوح كيف تتحمل النساء العبء الأثقل لتأمين الغذاء، بينما يواجه الأطفال وكبار السن خطر انعدام الحماية والموارد. هذه الأزمة الاقتصادية والإنسانية ليست مجرد أرقام، بل هي حياة صعبة تتجسد في الأرصفة، وفي الطوابير الطويلة، وفي عيون الأطفال الذين فقدوا براءة اللعب ليصبح البحث عن لقمة العيش هو أولويتهم الوحيدة للبقاء.