خنجران مسمومان في خاصرة العرب

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في خضم التحولات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، تبدو المنطقة العربية وكأنها تقف بين حدّي مشروعين متصارعين في العلن، متقاطعين في النتائج: مشروع إسرائيل القائم على تكريس التفوق العسكري وفرض وقائع سياسية جديدة، ومشروع إيران الذي يسعى إلى توسيع مجاله الحيوي عبر شبكات نفوذ عابرة للحدود. وبين هذين المسارين، تجد الدولة الوطنية العربية نفسها في موقع الاستنزاف الدائم، فيما تتآكل أولويات التنمية والاستقرار لصالح منطق الصراع المفتوح.

منذ عقود، ظل الصراع العربي–الإسرائيلي عنوانًا مركزيًا في السياسة الإقليمية، غير أن التحولات المتسارعة أعادت رسم خطوط الاشتباك. لم تعد المواجهات تقتصر على الحروب التقليدية، بل باتت تمتد إلى الضربات المحدودة، وحروب الظل، وإعادة التموضع الاستراتيجي. في المقابل، صعد الدور الإيراني في عدد من العواصم العربية عبر تحالفات محلية وتنظيمات مسلحة، مستندًا إلى خطاب أيديولوجي يربط نفوذه بمواجهة إسرائيل، لكنه في الوقت ذاته يرسخ معادلات نفوذ طويلة الأمد داخل بنية الدول.

المفارقة أن الصدام بين المشروعين، على شدته في بعض الساحات، أسهم عمليًا في تعميق الانقسامات العربية. فكلما تصاعد التوتر، ازدادت حدة الاستقطاب، ومالت بعض الدول إلى الارتماء في أحضان محور لمواجهة محور آخر. وهكذا تحولت مساحات عربية إلى ساحات اختبار لتوازنات إقليمية، فيما بقي القرار الوطني رهينة معادلات أكبر من حدوده.

تعتمد إسرائيل على سياسة الردع المدعومة بتفوق عسكري وتكنولوجي واضح، وتسعى إلى تحييد المخاطر عبر عمليات استباقية تمنع خصومها من تثبيت قواعد اشتباك جديدة. أما إيران، فتميل إلى استراتيجية النفوذ غير المباشر، حيث يتيح لها العمل عبر الحلفاء توسيع حضورها وتقليل كلفة المواجهة المباشرة. وبين الاستراتيجيتين، تتحمل المجتمعات العربية كلفة باهظة: بنى تحتية مدمرة، اقتصادات مثقلة بالعقوبات والديون، ونسيج اجتماعي يتعرض لضغوط الاستقطاب الطائفي والسياسي.

في هذا السياق، تبدو الخسارة العربية مضاعفة. فمن جهة، يظل الأمن القومي العربي عرضة لاختبارات متكررة، ومن جهة أخرى تتراجع أولويات التنمية والتعليم والابتكار أمام متطلبات الصراع. ومع كل جولة تصعيد، تتعمق الفجوة بين ما تحتاجه المجتمعات من استقرار وما تفرضه الجغرافيا السياسية من اضطراب.

غير أن تحميل الخارج وحده مسؤولية المشهد لا يكفي. فالهشاشة الداخلية، وضعف التنسيق العربي، وتضارب المصالح البينية، كلها عوامل فتحت الباب واسعًا أمام تغلغل النفوذ الإقليمي. إن استعادة زمام المبادرة تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وتعزيز مؤسساتها، وبناء منظومة تعاون عربي أكثر فاعلية تحصّن القرار السيادي من الضغوط المتعارضة.

المنطقة اليوم أمام اختبار صعب: إما البقاء ساحة لتصفية الحسابات بين مشاريع متنازعة، أو التحول إلى فاعل يمتلك رؤية مستقلة تحمي مصالحه وتعيد توجيه موارده نحو البناء لا الهدم. وبين خنجري إسرائيل وإيران، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة العرب أنفسهم على ترميم البيت الداخلي، وصياغة توازن جديد لا يجعلهم وقودًا دائمًا لصراعات الآخرين.