عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا يمنُ؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

أكتبُ اليوم وفي الحلق غصة، وفي النفس من الأسى ما يفيض. أكتب عن اليمن السعيد الذي ما عاد سعيداً، عن مهد العروبة الذي ينهشه الجوع وتطحنه الأزمات. يحلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام، واليمنيون يرفعون أكفّ الضراعة لا طلباً لرفاهيةٍ أو ترف، بل بحثاً عن كفاف يومهم، وقوت أطفالهم الذين نسوا طعم الفرح وتجرعوا مرارة العوز الشديد. إن سنوات الحرب الطويلة والانهيار الاقتصادي المتسارع قد ألقيا بظلالهما الثقيلة على حياة ملايين المواطنين؛ ففي مثل هذه الأيام من كل عام، كانت صنعاء القديمة تلبس حلتها البهية، وكانت تعز وعدن والمكلا تضج بالحياة والحركة، أما اليوم، فتبدو مظاهر الاستعداد باهتة، والأسواق التي كانت تموج بالبشر تشهد ركوداً يعكس انكسار الحال وقلة الحيلة.

وأنا أتابع الأخبار القادمة من هناك، تظهر التقارير أن حركة البيع والشراء تراجعت بشكل لافت، حيث يدخل المواطنون الأسواق متفرجين لا مشترين، يستفسرون عن الأسعار ويهزون رؤوسهم حسرة ثم يمضون، إذ جعل التضخم غير المسبوق وانهيار العملة المحلية من شراء ملابس العيد للأطفال أو المواد الغذائية الأساسية مغامرة مالية غير محسوبة العواقب. والتجار من جانبهم يشتكون من أن الموسم الحالي هو الأضعف منذ سنوات، ولسان حالهم يقول: كيف نبيع والناس لا تملك ثمن الخبز؟ فالارتفاع الجنوني في تكاليف الاستيراد والنقل، والجبايات التي تفرضها أطراف الصراع، يدفع ثمنه المواطن البسيط من لحمه الحي.

أما الأضحية، وهي شعيرة العيد وعنوانه البارز، فقد باتت خارج حسابات غالبية الأسر اليمنية بعد أن قفزت أسعار المواشي إلى أرقام فلكية تناطح السحاب، في بلدٍ تعاني فيه ملايين العائلات من غياب الدخل الثابت. لقد اضطر كثيرون للاستغناء عن الأضحية هذا العام للمرة الأولى في حياتهم، وهذه العبارة التي ينقلها المواطنون باختلاف مدنهم تختصر مأساة جيل كامل؛ حيث بات الأب اليمني يفضل توجيه ما توفر لديه من ريالات قليلة لشراء الطحين والأرز، مؤثراً إطعام أطفاله على إحياء شعيرة لم يعد قادرًا على تكلفتها، كنوع من فقه الضرورة في زمن الحرب.

وتتفاقم هذه المعاناة مع استمرار الأزمة المزمنة لانقطاع الرواتب وتأخرها في قطاعات حكومية واسعة، فلا يعلم أحد كيف يعيش موظف بلا راتب منذ أشهر، بل منذ سنوات، لتكون النتيجة الحتمية هي اتساع دائرة الفقر المدقع، واعتماد آلاف الأسر على مساعدات إنسانية شحيحة، أو على ما يجود به المغتربون في الخارج من تحويلات ماليّة شحت هي الأخرى بفعل الظروف الإقليمية المتغيرة. وفي الوقت الذي تحذر فيه الأمم المتحدة وتطلق المنظمات الدولية النداء تلو النداء بأن ملايين اليمنيين يواجهون انعدام الأمن الغذائي ومعدلات سوء تغذية مرعبة بين الأطفال والنساء، يبدو أن ضمير العالم قد أصابه الصمم عندما يتعلق الأمر باليمن.

ومع ذلك، وفي وسط هذا الركام من الأزمات المتلاحقة، يرفض اليمني أن ينكسر تماماً، وتجد في هذا الشعب كبرياءً عجيباً وشهامة متجذرة؛ فهم يحاولون انتزاع الفرحة من بين أنياب المعاناة ولو بوسائل بسيطة، من خلال تجمعات عائلية متواضعة، وقليل من الحلويات التقليدية، وابتسامة مصطنعة يرسمها الآباء على وجوههم لإسعاد الصغار. إنني إذ أكتب عن اليمن، أكتب بقلب المحب الذي يرجو أن يرى هذا البلد العزيز وقد استعاد عافيته، فاليمنيون لا يستحقون هذا العقاب الجماعي، ولا تستحق عائلاتهم أن تسرق الحرب أعيادها، ويبقى الأمل معقوداً بأن تنتهي هذه المأساة، وأن يعود الاستقرار إلى السعيدة، لتستعيد الأعياد بهجتها، ولتجد الطمأنينة طريقها مجدداً إلى قلوب أتعبها الخوف وأنهكها المسير. وكل عام واليمن، رغم جراحه، بخير.