بين جراح المقاتلين وجراح السياسة... من يداوي اليمن؟
لم يعد اليمنيون بحاجة إلى مزيد من الأدلة لاكتشاف حجم التصدع داخل معسكر الشرعية، فالمشهد بات مكشوفاً إلى حد الفضيحة السياسية. عندما تتحول مبادرات علاج الجرحى إلى مادة للخصومة، وتُقابل الأعمال الإنسانية بحملات تشكيك وتخوين، فإن المشكلة لم تعد في قلة الموارد أو تعقيدات الحرب، بل في ضمور الحس الوطني لدى القوى التي يفترض أنها تخوض معركة استعادة الدولة.
الجرحى في كل الحروب يمثلون قيمة أخلاقية ووطنية تتجاوز الانتماءات الحزبية والمناطقية. هؤلاء دفعوا أجسادهم ثمناً لمعركة قيل إنها معركة الجمهورية والدولة والكرامة الوطنية. لكن المؤلم في الحالة اليمنية أن بعض القوى السياسية لم تعد ترى في الجريح سوى امتداد لخصومها أو ورقة يمكن توظيفها في بازار النفوذ وتصفية الحسابات.
وحين تصل الخلافات إلى حد التشكيك بأي مبادرة إنسانية، فإن ذلك يكشف أن الأزمة لم تعد فقط أزمة إدارة أو شراكة سياسية، بل أزمة ضمير سياسي كامل. فالسلطة التي تعجز عن الاتفاق على ملف إنساني بسيط، كيف يمكن لها أن تقود مشروع دولة أو تدير معركة وطنية بهذا الحجم؟
المأساة أن اليمن لا يخسر اليوم موارده واقتصاده فحسب، بل يخسر تدريجياً الفكرة الجامعة التي كانت تحفظ الحد الأدنى من التماسك الوطني. فالحرب الطويلة أنهكت المجتمع، لكن ما ينهك الناس أكثر هو رؤية النخب السياسية وهي تتصارع على كل شيء، حتى على آلام الجرحى ومعاناة الأسر المنسية.
لقد تحولت السياسة في اليمن، عند بعض القوى، إلى معركة شك دائم. لا أحد يثق بأحد، ولا مبادرة تمر من دون اتهامات، ولا عمل إنساني ينجو من التأويل السياسي. وهذه البيئة المشحونة لا تنتج دولة، بل تنتج مزيداً من الكراهية والانقسام والعجز.
في الدول التي تحترم نفسها، تُترك الملفات الإنسانية خارج دائرة الصراع، لأن حماية الجرحى والمرضى والفقراء ليست منّة من أحد، بل واجب أخلاقي ووطني. أما حين يصبح الجريح نفسه ضحية للصراع بين مكونات السلطة، فإن ذلك يعني أن السياسة فقدت آخر ما تبقى لها من معنى.
المؤسف أن القوى المتصارعة لا تدرك أن الناس لم تعد تكترث كثيراً بمن يكسب جولة إعلامية أو يحقق انتصاراً سياسياً صغيراً. المواطن المنهك يريد دولة تحترم تضحيات أبنائه، وسلطة تستطيع أن تتفق على الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية.
اليمن اليوم يقف أمام خطر أخطر من الحرب العسكرية والاقتصادية، وهو خطر الانهيار الأخلاقي والسياسي. فعندما تفقد القوى الوطنية قدرتها على الترفع فوق الحسابات الضيقة، فإنها تفقد تدريجياً شرعيتها المعنوية قبل السياسية.
ويبقى السؤال المؤلم: إذا كانت النخب عاجزة عن حماية الجرحى من خلافاتها، فمن سيحمي الوطن نفسه من هذا الخراب المفتوح؟