ثورة الأنسولين: كيف غيّر اكتشاف حقنة واحدة مصير مرضى السكري
قبل اكتشاف الأنسولين في عام 1921، كان تشخيص السكري من النوع الأول يعني فعليًا حُكمًا بالإعدام، خاصة للأطفال، حيث لم تكن هناك علاجات فعالة للمرضى الذين كانوا يواجهون الموت خلال أشهر قليلة. لكن ذلك العام شهد تحولًا تاريخيًا عندما نجح فريق بحثي في جامعة تورنتو بكندا في عزل هذا الهرمون المنقذ للحياة، فاتحين الباب أمام إنقاذ ملايين البشر.
تعود الشرارة الأولى لهذه القصة إلى فضول الجراح الكندي الشاب فريدريك بانتينج، الذي لم يكن عالم فسيولوجيا متخصصًا. ففي أواخر عام 1920، قرأ بانتينج مقالًا يشير إلى أن الخلايا المنتجة للأنسولين في البنكرياس (جزر لانجرهانس) قد تبقى سليمة حتى بعد انسداد القناة البنكرياسية. خطرت له فكرة جريئة: هل يمكن عزل المادة المنظمة لسكر الدم دون أن تتلف أثناء الاستخلاص؟ كان التحدي الأكبر آنذاك هو أن محاولات الاستخلاص كانت تفشل باستمرار بسبب تحلل الهرمون.
لتحقيق رؤيته، توجه بانتينج في نوفمبر 1920 إلى جون ماكلويد، أستاذ الفسيولوجيا بجامعة تورنتو، الذي وافق على منحه مساحة مختبرية خلال الصيف، وأسند إليه طالب الدراسات العليا تشارلز بيست للمساعدة في قياس مستويات الجلوكوز. بدأ العمل التجريبي الفعلي في مايو 1921، حيث اعتمد الفريق على ربط القناة البنكرياسية في الكلاب للحفاظ على جزر لانجرهانس، ثم استخلاص المادة وحقنها في كلاب مصابة بالسكر تجريبيًا.
رغم البدايات المتعثرة، ظهرت النتائج الإيجابية بحلول نوفمبر 1921، حيث تمكن الفريق من إبقاء كلب مصاب على قيد الحياة لمدة 70 يومًا باستخدام المستخلص، مع ملاحظة انخفاض واضح في مستويات السكر بالدم. لكن المستخلص كان لا يزال غير نقي وقد يسبب تفاعلات خطيرة عند البشر. هنا انضم عالم الكيمياء الحيوية جيمس كوليب في ديسمبر 1921 للعمل على تنقية المادة، وتمكن من تطوير طريقة لاستخلاص أنسولين أنقى وأكثر تركيزًا من بنكرياس الأبقار.
في 11 يناير 1922، دخل الفتى الكندي ليونارد طومسون، البالغ 14 عامًا والمحتضر بسبب السكري، التاريخ كأول إنسان يتلقى حقنة أنسولين. أدت الجرعة الأولى إلى انخفاض السكر لكنها سببت تفاعلًا موضعيًا. واصل كوليب التحسين، وفي 23 يناير 1922، حصل ليونارد على جرعة ثانية محسّنة، مما أدى إلى انخفاض سكر الدم لمستويات شبه طبيعية دون آثار جانبية، ليتحول السكري من مرض مميت إلى حالة مزمنة يمكن السيطرة عليها.
في مايو 1922، أعلن ماكلويد رسميًا عن الاكتشاف أمام رابطة الأطباء الأمريكيين مستخدمًا مصطلح "الأنسولين". وفي خطوة نبيلة، باع بانتينج وفريقه براءات الاختراع لجامعة تورنتو مقابل دولار واحد لكل منهم، حيث قال بانتينج كلمته الشهيرة: "الأنسولين ليس ملكي وحدي، بل هو ملك للعالم". وبدأت شركة "إيلي ليلي" الإنتاج التجاري عام 1923، وفي العام نفسه، مُنح بانتينج وماكلويد جائزة نوبل في الطب، تقديراً لإنجاز غيّر وجه الرعاية الصحية الحديثة.