الولاء العابر للحدود.. كيف تحوّل الطائفية بعض الميليشيات في المنطقة إلى أدوات لصراعات إقليمية؟
في منطقة اعتادت أن تُبنى هويتها السياسية على فكرة الدولة الوطنية، تكشف التطورات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط عن ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود الخلافات السياسية التقليدية. فخلال السنوات الأخيرة برزت مؤشرات على تنامي ولاءات عابرة للحدود لدى بعض المجموعات المسلحة، حيث يتقدم الانتماء الطائفي المدعوم من إيران على الولاء الوطني في حالات متعددة داخل دول عربية وخليجية.
ومن اليمن إلى عدد من دول الخليج، يتكرر نمط متشابه: مجموعات محلية تتحول تدريجياً من فاعل داخلي إلى جزء من شبكة إقليمية مرتبطة باستراتيجية أوسع، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار بلدانها أو مصالح شعوبها.
اليمن.. ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي
يُعد اليمن من أبرز الأمثلة على هذا التحول. فمع صعود نفوذ جماعة الحوثي خلال العقد الماضي، دخلت البلاد مرحلة جديدة أصبح فيها الصراع المحلي متشابكاً بشكل واضح مع حسابات إقليمية.
ويرى محللون أن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد طرق الملاحة والمنشآت الاقتصادية يعكس توظيف الصراع اليمني ضمن إطار إقليمي أوسع. وفي ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يفاقم استمرار العمليات العسكرية واستهداف البنية التحتية الحيوية معاناة السكان، ويجعل موارد الدولة في قلب صراع يتجاوز حدودها.
ولهذا يصف كثير من المراقبين اليمن بأنه ساحة حرب بالوكالة، يتحمل فيها المدنيون كلفة صراع تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية معقدة.
البحرين.. شبكات سرية وارتباطات خارجية
في البحرين، أعلنت الأجهزة الأمنية في أكثر من مناسبة عن تفكيك خلايا مسلحة مرتبطة بجهات خارجية، بينها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني. وتشير التحقيقات الرسمية إلى أن بعض هذه الخلايا كانت تخطط لاستهداف منشآت حيوية وتهديد الأمن الداخلي.
وتعتبر السلطات البحرينية أن هذه الأنشطة تمثل محاولة لزعزعة الاستقرار عبر استغلال الانقسامات الطائفية وربطها بمشاريع إقليمية.
الكويت.. تهديدات داخلية مرتبطة بخارج
وفي الكويت، كشفت السلطات في السنوات الماضية عن قضايا أمنية بارزة، من بينها قضية خلية العبدلي، التي تضمنت ضبط أسلحة ومتفجرات واتهامات بارتباطات مع تنظيمات مدعومة من إيران.
وتشير هذه القضايا، وفق محللين أمنيين، إلى وجود محاولات لاستغلال عناصر محلية في تنفيذ أجندات خارجية، الأمر الذي يضع الأمن الوطني في مواجهة تهديد مزدوج يجمع بين الداخل والارتباطات الإقليمية.
قطر.. محاولات اختراق للبنية الحيوية
حتى قطر، رغم علاقاتها السياسية المعقدة مع إيران، لم تكن بعيدة عن محاولات الاختراق الأمني. فقد أعلنت السلطات في فترات سابقة عن ضبط عناصر على صلة بجهات استخباراتية أجنبية كانت تسعى لجمع معلومات أو استهداف منشآت حيوية.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الصراع الاستخباراتي في المنطقة لا يميز دائماً بين الدول الصديقة أو الخصوم، وأن البنية الحيوية للدول قد تتحول إلى هدف في سياق التنافس الإقليمي.
الولاء الطائفي كسلاح سياسي
من اليمن إلى البحرين والكويت وقطر، يرى عدد من المحللين أن توظيف الولاءات الطائفية بات أحد أدوات النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. ففي هذا السياق قد يتحول بعض الأفراد أو المجموعات من مواطنين داخل الدولة إلى أدوات ضمن شبكة صراعات أوسع.
وبالنسبة لدول الخليج، لا يقتصر التحدي على المواجهة الأمنية المباشرة، بل يشمل أيضاً حماية التماسك الاجتماعي وتعزيز مفهوم المواطنة، بما يضمن أن يبقى الانتماء الوطني هو الإطار الأعلى الذي يجمع المجتمع ويحصنه من الانقسامات العابرة للحدود.