الحوثي.. حين يتحول الوطن إلى ورقة تفاوض
لم يعد السؤال اليوم: من يحكم صنعاء، بل لصالح من يُدار القرار فيها. فمع كل موجة تصعيد تشهدها المنطقة، يتكشف بوضوح أكبر أن جماعة الحوثي لم تعد تمثل مشروعًا محليًا خالصًا، بل تحولت تدريجيًا إلى أداة ضمن استراتيجية إقليمية أوسع، يُعاد توجيهها وفقًا لإيقاع الصراع بين إيران وخصومها. وفي قلب هذا التحول، تقف اليمن كخاسر أول، حيث لم تعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة وتُترك عند انتهاء الغرض.
في الوقت الذي ينتظر فيه اليمنيون الحد الأدنى من مقومات الحياة، من رواتب وخدمات وأمان، تتجه مسارات التصعيد في اتجاهات لا تعكس أولويات الداخل. تُطلق الصواريخ، وتُفتح الجبهات، وتتصاعد الخطابات، لكن ليس من أجل استعادة الدولة أو تحسين الواقع المعيشي، بل ضمن حسابات تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة، حيث يُدار الصراع باسم اليمن، بينما لا يُدار لمصلحة اليمنيين.
لقد شهدنا خلال السنوات الماضية تحولًا تدريجيًا من خطاب القضية الوطنية إلى واقع الوظيفة الإقليمية، حيث باتت الجغرافيا اليمنية تُستخدم كورقة ضغط في ملفات لا تمت بصلة مباشرة لمصالح الدولة اليمنية. وأصبح تهديد الملاحة الدولية، واستهداف المصالح الإقليمية، وربط مسارات التصعيد بملفات خارجية، جزءًا من هذا الدور الوظيفي الذي يضع اليمن في قلب صراع أكبر منه، دون أن يكون له فيه قرار أو مصلحة حقيقية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في طبيعة الدور، بل جاء بكلفة باهظة يدفعها اليمنيون يوميًا. اقتصاد يتآكل، ومؤسسات دولة تتفكك، ومجتمع يُستنزف تحت وطأة حرب مفتوحة لا يملك قرارها. وفي ظل هذا الواقع، يغيب الصوت الوطني المستقل، ويُختزل مصير بلد بأكمله في معادلات تفاوضية تُدار خارج حدوده.
الأخطر من ذلك أن التحول إلى ورقة في صراع إقليمي يعني بالضرورة فقدان القدرة على التحكم في المصير. فالورقة تُستخدم عندما تكون مفيدة، وتُهمل أو تُستبدل عندما تتغير المعادلات. وهذا ما يجعل اليمن عرضة لأن يكون مجرد أداة مؤقتة في لعبة أكبر، لا مكان فيها للثوابت، بل للمصالح المتغيرة فقط.
إن ما يواجهه اليمن اليوم لا يقتصر على كونه أزمة سياسية أو عسكرية، بل هو انزلاق خطير نحو فقدان القرار الوطني وتحويل الدولة إلى وظيفة ضمن صراعات الآخرين. ومن هنا، فإن استعادة اليمن لا يمكن أن تتحقق عبر مزيد من التصعيد، بل تبدأ من استعادة القرار الوطني المستقل، وفك الارتباط بصراعات الخارج، وإعادة توجيه البوصلة نحو الداخل اليمني باعتباره الأولوية القصوى.
في النهاية، لن يكون هناك أفق حقيقي للاستقرار ما دام قرار الحرب والسلم لا يُصنع داخل حدود الوطن، وما دام اليمن يُدار كأداة في صراع لا يُعبّر عن إرادته ولا يخدم مستقبله.