التخادم الخفي… شراكات الظل التي تُطيل حرب اليمن
لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين متصارعين، بل تحولت إلى شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، حيث يظهر ما يمكن تسميته بـ"التخادم الخفي" كأحد أخطر العوامل التي أسهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد مساراته. فالتخادم مع الميليشيات الحوثية لم يعد مجرد فرضية، بل واقع تتقاطع فيه المصالح بين أطراف تبدو ظاهرياً على طرفي نقيض.
ويُقصد بالتخادم حالة من التنسيق غير المعلن، تقوم على تبادل المنافع والخدمات بين الميليشيات الحوثية وجماعات أو مكونات أو حتى أفراد وقيادات محسوبة على معسكر مناهض لها، بما في ذلك تنظيمات متطرفة وأطراف مرتبطة بالشرعية. هذا النمط من العلاقات لا يستند إلى تقارب فكري أو أيديولوجي، بل إلى حسابات مصلحية بحتة، تُقدم فيها المصالح على المبادئ.
لقد شكل هذا التخادم أحد أبرز أسباب بقاء الميليشيات الحوثية واستمرار انقلابها، إذ أسهم في إضعاف الجبهة المقابلة لها، سواء عبر تعطيل الحسم العسكري، أو من خلال إرباك القرار السياسي، أو حتى عبر اختراقات أمنية واقتصادية وإعلامية. وغالباً ما يتم هذا التعاون بشكل غير مباشر، ما يجعل تتبعه أو إثباته أمراً بالغ التعقيد.
وتتعدد أهداف هذا التخادم، إلا أنها تصب جميعها في إطار الحفاظ على الوضع القائم. فمن خلال توقيف المعارك في جبهات محددة، تتمكن الميليشيات الحوثية من إعادة ترتيب صفوفها وتركيز جهودها على جبهات أخرى أكثر أهمية. وفي المقابل، تُستنزف قوات الجيش الحكومي وتُقيد قدرتها على المبادرة.
كما يسهم هذا التخادم في تغذية الفوضى داخل مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، عبر زعزعة الأمن وإثارة النزاعات البينية، ما يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض ثقة المواطنين بها. ولا يتوقف الأمر عند الجانب الأمني، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، حيث تنشأ شبكات مشتركة لتهريب الوقود والسلاح وتسهيل حركة البضائع، بما يدرّ أرباحاً ضخمة تُستخدم في تمويل العمليات العسكرية.
وفي السياق ذاته، يعمل التخادم على تعميق الخلافات داخل معسكر الشرعية، من خلال تغذية الصراعات السياسية والإعلامية بين مكوناته، الأمر الذي يخلق بيئة مثالية لاستمرار الانقسام وإضعاف أي جهد موحد لمواجهة الميليشيات الحوثية.
أما الدوافع الكامنة وراء هذا السلوك، فتتجذر في سعي بعض الأطراف لإضعاف وعرقلة جهود المكونات الأخرى، والحفاظ على مراكز النفوذ ومصادر التمويل، في ظل اقتصاد حرب بات يغري الكثيرين بالاستفادة من استمراره. كما أن ضعف الموقف العسكري للحكومة الشرعية، وتشتت القرار، وتعدد الولاءات، كلها عوامل شجعت على نشوء مثل هذه العلاقات الرمادية.
إن استمرار هذا التخادم لا يهدد فقط فرص إنهاء الحرب، بل يكرس واقعاً هشاً يُبقي اليمن ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات، ويؤجل أي أمل حقيقي في استعادة الدولة وبناء السلام. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة سياسية حازمة، وإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، إلى جانب توحيد الصف الوطني على قاعدة المصالح العليا للدولة بعيداً عن الحسابات الضيقة.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القوى الوطنية كسر هذه الحلقة المغلقة، أم أن التخادم سيظل الوقود الخفي لحرب بلا نهاية؟