من إسقاط الدول إلى إعدام الأسرى .. الربيع الذي خدم الصهيونية
لم يعد بالإمكان الحديث عمّا سُمّي بـ"الربيع العربي" بوصفه مجرد حراك شعبي عابر، بل بات من الواضح أنه شكّل نقطة الانكسار الأخطر في تاريخ النظام العربي، واللحظة التي انتقلت فيها المنطقة من حالة التماسك النسبي إلى الانهيار الشامل، في مشهد لم يكن الكيان الصهيوني سوى أكبر المستفيدين منه.
قبل عام 2010م، ورغم كل التباينات، كانت الدول العربية تمتلك قدرًا من الاستقرار السياسي والتماسك المؤسسي، وتحافظ على حدٍّ أدنى من التنسيق فيما بينها، خصوصًا تجاه القضية الفلسطينية. كان هناك حضور عربي، وصوت يمكن أن يُحسب له حساب، ومواقف قادرة—ولو نسبيًا—على كبح جماح التمدد الإسرائيلي.
لكن ما إن اندلعت أحداث "الربيع العربي"، حتى تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة للفوضى. سقطت دول، وتفككت أخرى، وتحوّلت الجيوش إلى أطراف في صراعات داخلية، وانشغلت الحكومات بأوضاعها ومشاكلها الداخلية، لا بالمواقف. لم تعد فلسطين أولوية، بل أصبحت بندًا مؤجلًا في جدول أزمات لا تنتهي.
في خضم هذا الانهيار، لم يكن الكيان الصهيوني مراقبًا محايدًا، بل كان يتحرك في مساحة آمنة وفّرتها له حالة التفكك العربي. ومع غياب الردع، بدأ تدريجيًا في تصعيد سياساته، مستفيدًا من واقع عربي عاجز وممزق، لا يملك القدرة على الفعل أو حتى الاعتراض المؤثر.
واليوم، يصل هذا التصعيد إلى واحدة من أخطر مراحله بإقرار قوانين وإجراءات غير مسبوقة، وفي مقدمتها قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من التوحش السياسي والتشريعي، وتؤكد أن الاحتلال لم يعد يخشى أي تبعات عربية حقيقية.
هذا القانون لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لسنوات من الانهيار العربي الذي أفرزته الفوضى. فلو كانت الدول العربية في وضعها السابق من التماسك، هل كان بإمكان الاحتلال أن يمرر مثل هذا التشريع الخطير؟ وهل كان يمكن أن يذهب إلى هذا الحد من التصعيد دون حساب؟
إن ما يجري اليوم في فلسطين، من تصعيد عسكري وتشريعي، ومن استهداف ممنهج للأرض والإنسان، ليس سوى انعكاس لحقيقة واحدة: غياب القوة العربية القادرة على الردع. فالدول التي أنهكتها الحروب الداخلية، وأغرقتها الانقسامات، لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلًا عن الدفاع عن غيرها.
لقد تحولت بعض العواصم العربية إلى ساحات صراع، وأخرى إلى دول هشة تعيش على حافة الانهيار، بينما يواصل الاحتلال تنفيذ مشاريعه بأريحية غير مسبوقة، من توسيع الاستيطان إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وصولًا إلى تشريعات تمس جوهر القضية الفلسطينية وحقوق شعبها.
إن الربط بين ما حدث خلال "الربيع العربي" وما يحدث اليوم في فلسطين لم يعد تحليلًا سياسيًا، بل واقعًا ملموسًا تؤكده الأحداث. فالفوضى التي ضربت العالم العربي لم تُضعف دوله فحسب، بل فتحت الطريق أمام الاحتلال ليعيد صياغة قواعد الصراع وفق مصالحه، دون خشية من رد فعل عربي حقيقي.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبدو الحقيقة أكثر قسوة: أمة ممزقة لا يمكنها أن تواجه مشروعًا منظمًا، ودول غارقة في أزماتها لا تستطيع أن تتصدى لعدوان خارجي متصاعد. وهنا، لا يصبح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين سوى عنوان لمرحلة جديدة، عنوانها أن من يملك القوة يفرض القوانين، ومن يفقدها يدفع الثمن.