التصلب الإيراني وحدود الردع الأمريكي
لا يمكن فهم السلوك الإيراني في إدارة التوتر مع الولايات المتحدة بوصفه اندفاعاً نحو الحرب بقدر ما هو توظيف محسوب لحافة الصراع. فالنظام في إيران لا يسعى إلى مواجهة عسكرية شاملة تهدد بقاءه، لكنه في الوقت ذاته لا يتردد في استثمار التصعيد المحدود لتعزيز سرديته الداخلية القائمة على "الصمود في وجه الضغوط الخارجية". إذ تمثل هذه السردية أحد أعمدة الشرعية السياسية للنظام، خاصة في ظل أزمات اقتصادية متراكمة وتحديات اجتماعية متزايدة، وهو ما يجعل أي ضربة عسكرية محدودة قابلة للتوظيف كأداة تعبئة داخلية بدلاً من أن تكون عامل إضعاف، ما دامت لا تصل إلى مستوى التهديد الوجودي.
في هذا السياق، يتحول البرنامج النووي الإيراني من مشروع تقني إلى ركيزة استراتيجية متعددة الوظائف: فهو أداة ردع في مواجهة الخصوم، وورقة تفاوض مركزية في أي مسار سياسي، ورمز سيادي يعكس خطاب "الاستقلال عن الغرب". لذلك فإن مسألة اليورانيوم المخصب لا تُقرأ في طهران بلغة التنازلات التقنية بل بلغة الهيبة السياسية، إذ إن القبول بتفكيك هذا البرنامج أو تسليمه بالكامل يعني عملياً تقويض السردية التي بُني عليها النظام منذ عقود. ولهذا تفضّل إيران سياسة المناورة، فتقدم تنازلات جزئية أو مرحلية دون المساس بجوهر المشروع، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الضغوط الخارجية ومتطلبات الداخل.
في المقابل، تعكس تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (2018)، توجهاً قائماً على استراتيجية "الضغط الأقصى"، التي تستهدف إنهاك الاقتصاد الإيراني ودفع النظام إلى القبول بشروط تفاوضية أكثر صرامة. غير أن هذه الاستراتيجية لا تعني بالضرورة السعي إلى حرب شاملة، بقدر ما تعكس محاولة لفرض معادلة ردع جديدة تُجبر طهران على إعادة تعريف سلوكها الإقليمي والنووي. ومع ذلك، فإن حدود هذا النهج تبقى مرتبطة بمدى استعداد إيران للذهاب بعيداً في التصعيد، خاصة إذا شعرت بأن الضغوط تستهدف وجودها لا فقط سياساتها.
تتجلى أخطر نقاط الاشتباك في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية (يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي). إذ إن أي محاولة لإغلاقه لا تُعد مجرد خطوة تكتيكية بل إعلاناً صريحاً عن انتقال الصراع إلى مستوى الحرب المفتوحة، وهو ما يضع الولايات المتحدة أمام خيار الرد الحاسم، ليس فقط لحماية مصالحها بل لضمان استقرار النظام الاقتصادي العالمي. وفي هذه الحالة، لن يقتصر الرد على إجراءات محدودة، بل قد يمتد إلى تدمير القدرات البحرية الإيرانية واستهداف البنية العسكرية المرتبطة بالتهديد، ضمن تحالف دولي واسع يهدف إلى إعادة فتح الممر بالقوة.
غير أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم على المواجهة المباشرة، بل على توسيع مسرح العمليات عبر الوكلاء، وهو ما يبرز بوضوح في الحالة اليمنية، حيث يشكل الحوثيون أداة ضغط فعالة في البحر الأحمر، بما يسمح لطهران بإرباك خصومها دون الانخراط في مواجهة مباشرة. وهنا تتقاطع معادلة البحر الأحمر مع أمن الخليج العربي، إذ لم يعد التهديد محصوراً في مضيق هرمز، بل امتد إلى مضيق باب المندب، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع من جغرافيا محدودة إلى شبكة ممرات استراتيجية مترابطة.
في هذا الإطار، يصبح اليمن ساحة متقدمة في معادلة الردع الإقليمي، حيث يمكن لإيران استخدام الضغط البحري عبر الحوثيين للتأثير على حركة التجارة الدولية ورفع كلفة التأمين والشحن، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ويمنح طهران ورقة تفاوض غير مباشرة، خاصة في ظل صعوبة توجيه رد عسكري حاسم دون الانزلاق إلى حرب أوسع، وهو ما يعيد إنتاج نمط "الحرب دون حرب" الذي تتقنه إيران.
أما الخيارات المتاحة أمام الطرفين، فهي تدور ضمن هامش ضيق بين التصعيد والاحتواء وإيران ربما تستمر في سياسة "حافة الهاوية" مع توسيع استخدام الوكلاء، أو قد تلجأ إلى تهدئة مرحلية إذا ضمنت الحفاظ على جوهر مشروعها النووي وسردية الصمود و الولايات المتحدة قد تميل إلى مزيج من الضغوط الاقتصادية والردع العسكري المحدود (ضربات دقيقة ضد منشآت نووية أو قواعد للحرس الثوري او حتى استهداف جزيرة خرج الاستراتيجية)، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً لصفقة محتملة بشروط أمريكية.
غير أن هذا التوازن يبقى هشاً، إذ إن أي خطأ في الحسابات، أو أي تصعيد غير محسوب في الممرات البحرية (مضيق هرمز أو باب المندب)، قد يدفع الطرفين إلى مواجهة تتجاوز حدود السيطرة، فالخطر الحقيقي ليس في نية الحرب، بل في سوء التقدير المتبادل.
إن جوهر المشهد لا يكمن في نية الحرب بقدر ما يكمن في إدارة التوتر فكل طرف يسعى إلى تعظيم مكاسبه دون الوصول إلى نقطة الانفجار، غير أن تعدد الساحات (من الخليج العربي إلى البحر الأحمر و مضيق باب المندب) وتعقيد شبكة الفاعلين (الدوليين والإقليميين والوكلاء) يجعل من احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع قائمة دائماً، خاصة في ظل غياب تفاهمات مستقرة تعيد ضبط قواعد الاشتباك.
و الخلاصة نحن أمام معادلة دقيقة حيث إيران تحتاج التوتر لتعيش لكنها لا تتحمل الحرب الشاملة، وأمريكا تريد تغيير السلوك لا بالضرورة إسقاط النظام. وفي كل الأحوال و السيناريوهات المتوقعة و التي ستضل مفتوحة، سيكون اليمنيون والمنطقة بأسرها هم الخاسر الأكبر إذا تحولت لعبة حافة الهاوية إلى مواجهة مفتوحة تهدد المنطقة في استقرارها ونموها و معيشتها.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز