استراتيجية نقل المعركة: من استهداف الداخل الإيراني إلى تهديد أمن الطاقة والملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر

منذ 6 ساعات
مشاركة الخبر:

تصعيد التصريحات والمهل الزمنية
في سياق التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وفي ضوء التصريح الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي لوّح فيه بفتح “أبواب الجحيم” على إيران في حال عدم فتح مضيق هرمز، وخاصة مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها وتنتهي في السادس من أبريل الجاري، تتبلور ملامح مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز الإطار التقليدي للردع المباشر إلى مسارات أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
استراتيجية نقل مركز الاشتباك
تقوم الاستراتيجية الإيرانية على نقل مركز الاشتباك من الداخل الإيراني إلى المجال الإقليمي، بحيث تتحول دول الخليج العربي والبحر الأحمر إلى مسرح ضغط مركزي ضمن معادلة “توسيع كلفة الحرب”، وهي معادلة تستهدف مفاصل الاقتصاد العالمي عبر ضرب الطاقة والملاحة، وتوظيف شبكة الأذرع الإقليمية كأدوات تنفيذ منخفضة الكلفة وعالية الأثر، ضمن نمط الحروب غير المتماثلة التي تعتمد على تشتيت مراكز الضغط بدل مواجهتها مباشرة.
الرد المتوقع على الاستهداف المباشر
إذا ما تعرضت البنية التحتية الإيرانية لضربات مركزة تشمل محطات الكهرباء، والجسور، والمنشآت النفطية، كما حدث في استهداف جسر B1 الإيراني مؤخرًا او بعض المنشآت الصناعية الهامة كا مصانع البتروكيميئيات، فإن الرد الإيراني المرجح لن يكون تماثليًا، بل سيعتمد على تفكيك منظومة الطاقة لدى خصومها وحلفائهم، ما يضع دول الخليج، بما فيها السعودية  و الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين، ضمن دائرة الاستهداف المحتمل، نظرًا لموقعها الحاسم في معادلة إنتاج وتصدير الطاقة عالميًا، وبحكم ارتباطها البنيوي بمنظومة الأمن الغربية، وما يترتب على ذلك من قابلية توظيفها كنقاط ضغط استراتيجية.
أهمية البحرين في معادلة الاستهداف
تكتسب البحرين أهمية مزدوجة، جغرافيًا وأمنيًا، فهي تقع في قلب الخليج العربي وعلى مقربة مباشرة من السواحل الإيرانية، ما يجعلها ضمن نطاق التهديد الصاروخي والطائرات المسيّرة بزمن استجابة قصير، كما أنها تحتضن مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وهو ما يمنحها وزنًا استراتيجيًا يتجاوز حجمها الجغرافي، ويجعلها هدفًا ذا دلالة في حال سعت إيران إلى توجيه رسائل مباشرة إلى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ضمن سياسة “الرد غير المباشر” التي تتبعها طهران تاريخيًا.
ارتباط البحرين اللوجستي والاقتصادي بالسعودية عبر جسر الملك فهد الحيوي والهام والذي يعد بعدًا إضافيًا في معادلة الاستهداف، حيث لا يقتصر التأثير على الداخل البحريني، بل يمتد إلى الترابط الخليجي ككل، ما يجعل أي تهديد أو استهداف لهذا المسار الحيوي يحمل أبعادًا اقتصادية ونفسية وسياسية متشابكة، تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى التأثير في تماسك المنظومة الخليجية.
السعودية كنقطة ارتكاز استراتيجية
تستمر بقية دول الخليج في مواجهة نفس المعادلة، حيث تبقى المنشآت النفطية في السعودية والكويت أهدافًا مركزية، وتبرز السعودية كهدف استراتيجي رئيسي لإيران في هذه المعادلة، نظرًا لدورها كمصدر الطاقة الأكبر عالميًا، وبنيتها التحتية النفطية شديدة الحساسية مثل منشآت بقيق وخريص، التي يشكل استهدافها تأثيرًا فوريًا على السوق العالمي، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين الخليج العربي والبحر الأحمر، ما يجعلها نقطة ارتكاز مركزية في أي استراتيجية إيرانية للضغط عبر شبكة الأذرع الإقليمية أو الحرب بالوكالة، بينما تمثل منشآت الغاز في قطر عنصرًا حاسمًا في سوق الطاقة العالمي، خاصة في ظل تصاعد الطلب الأوروبي على الغاز المسال، وهو ما يمنح أي تهديد لهذه المنشآت بعدًا دوليًا يتجاوز الإقليم، كما تشكل البنية التحتية في الإمارات، خصوصًا المسارات البديلة عبر خليج عمان وخط أنابيب حبشان–الفجيرة، أهدافًا محتملة لضرب فكرة الالتفاف على مضيق هرمز.
البعد البحري وممرات الملاحة
يتكامل الضغط عبر مضيق باب المندب، حيث تتحول الملاحة الدولية إلى هدف مباشر أو غير مباشر عبر الأذرع الإيرانية في اليمن مليشيات الحوثي، التي تمتلك القدرة على تهديد السفن وناقلات النفط، كما حدث خلال فترات التصعيد المرتبطة بحرب غزة، بما يوسّع نطاق التأثير من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ويحوّل المسار البحري الممتد بينهما إلى ساحة عمليات مترابطة.
دور الأذرع الإقليمية
الدور التنفيذي في هذه الاستراتيجية يتوزع بين هذه الأذرع، حيث تمثل مليشيات الحوثي في اليمن رأس الحربة في استهداف العمق السعودي وتهديد البحر الأحمر، في حين يشكل الحشد الشعبي في العراق امتدادًا عملياتيًا شماليًا، من خلال استهداف القواعد الأمريكية، أو تهديد خطوط إمداد الطاقة، أو خلق بيئة أمنية هشة عبر عمليات تخريبية طالت منشآت وبنى تحتية داخل العراق، بما يخدم إعادة تشكيل التوازنات لصالح إيران، وفق نموذج “الحرب بالوكالة” الذي أثبت فاعليته في أكثر من ساحة.
السيناريو المرجح لتطور الصراع
في حال تطور الصراع إلى مرحلة استهداف شامل للبنية التحتية الإيرانية، فإن السيناريو المرجح يتمثل في هجمات متزامنة تشمل منشآت النفط في السعودية والكويت، ومنشآت الغاز في قطر، والبنية التحتية في الإمارات، إضافة إلى أهداف ذات دلالة في البحرين، سواء مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي أو بالبنية اللوجستية، بالتوازي مع عمليات في البحر الأحمر تستهدف الموانئ والسفن، وتهديدات في مضيق هرمز، ما يؤدي إلى خلق حالة من الاختناق المزدوج في تدفق الطاقة العالمية، وهو سيناريو يحمل تداعيات مباشرة على الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد.
التحولات النوعية في طبيعة الصراع
هذا النمط من التصعيد يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الجغرافيا تحدد نطاق الحرب، بل أصبحت شبكة الطاقة العالمية، وممرات الملاحة، ومراكز الارتكاز العسكرية، كلها جزءًا من ساحة معركة ممتدة، وهو ما يفرض على دول الخليج، بما فيها البحرين والسعودية، إعادة صياغة عقيدتها الأمنية، وتعزيز قدراتها الدفاعية، والتكيف مع بيئة استراتيجية تتجه نحو مزيد من التعقيد والتشابك، في ظل تداخل الفاعلين الدوليين والإقليميين وخاصة اذا ما استهدف الحوثيين ميناء ينبع على البحر الأحمر .
البعد الدولي للصراع
لا يمكن إغفال البعد الدولي للصراع، حيث تمثل كل من الصين والاتحاد الأوروبي أطرافًا متأثرة بشكل مباشر بأي اضطراب في تدفق الطاقة، فالصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج العربي، في حين يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعويض مصادر الطاقة الروسية عبر الغاز الخليجي، وهو ما يجعل أي تصعيد في هذه المنطقة لا يُقرأ فقط كأزمة إقليمية، بل كاختبار حقيقي لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي، وقدرة القوى الكبرى على احتواء الصدمات.
المسارات المحتملة للتصعيد
يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة لتطور هذا التصعيد:
احتواء محدود عبر قنوات خلفية يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تصعيد محسوب يقوم على تبادل الضربات دون كسر قواعد الاشتباك الكبرى.
الانزلاق إلى مواجهة واسعة متعددة الجبهات، يتم فيها تفعيل كامل شبكة الأذرع الإقليمية، واستهداف شامل لمنظومات الطاقة والملاحة، وهو السيناريو الأعلى كلفة والأكثر تأثيرًا على المستوى الدولي.
الخلاصة
إدراج البحرين إلى جانب السعودية والكويت وقطر والإمارات ضمن معادلة الاستهداف المحتمل، يعكس رؤية إيرانية تقوم على تعميم التهديد، وتوسيع رقعته، واستهداف النقاط الأكثر حساسية في منظومة الطاقة والأمن الإقليمي، بما يحوّل أي مواجهة إلى أزمة متعددة الأبعاد، يكون فيها أمن الطاقة والملاحة الدولية في قلب معادلة الردع والتصعيد خاصة اذا تمكن الحوثي من غلق مضيق باب المندب، ضمن مشهد استراتيجي مفتوح على احتمالات متعددة، تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والسياسة مع الأمن، في واحدة من أكثر البيئات الدولية هشاشة وتعقيدًا.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز