قبضة الخوف في إب: كيف تحوّلت سلطة الحوثي إلى ماكينة قمع بلا سقف

قبضة الخوف في إب: كيف تحوّلت سلطة الحوثي إلى ماكينة قمع بلا سقف
مشاركة الخبر:

لم تعد محافظة إب مجرد ساحة نفوذ لمليشيا الحوثي الارهابية، بل تحوّلت إلى نموذج صارخ لسياسة القمع المنهجي التي تتبعها الجماعة لتركيع مجتمعٍ ظلّ عصياً على الانصياع الكامل. التصعيد الأخير في حملات الاعتقال، وإنشاء شبكة من السجون السرية داخل منشآت مدنية، يكشف بوضوح أن الجماعة لم تعد تكتفي بفرض السيطرة، بل تسعى إلى خنق أي صوت محتمل قبل أن يتحول إلى معارضة منظمة.

ما يجري في إب ليس حدثاً عابراً، بل جزء من نمط متكرر يعكس عقلية أمنية ترى في المجتمع تهديداً دائماً. إنشاء ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل مرافق رياضية وثقافية وعسكرية ليس فقط انتهاكاً صارخاً للقانون، بل مؤشر على مدى الاستهتار بكل القيم الإنسانية. تحويل أماكن يفترض أن تكون فضاءات عامة أو خدمية إلى أدوات للقمع يكشف عن سلطة فقدت أي ارتباط بمفهوم الدولة، واستبدلته بمنطق المليشيا.

الأخطر من ذلك أن هذه الحملة تستهدف فئات متنوعة من المجتمع: ناشطين، تربويين، وشباباً لا يملكون سوى آرائهم أو حضورهم المجتمعي. هذا التوسع في دائرة القمع يدل على خوف عميق داخل بنية الجماعة نفسها. فبدلاً من معالجة أسباب الغضب الشعبي—من تدهور اقتصادي حاد، وانعدام الخدمات، وانهيار مؤسسات الدولة—تختار الجماعة الطريق الأسهل: إسكات الناس بالقوة.

إب، التي عُرفت بكثافتها السكانية وحيويتها الاجتماعية، ظلت لسنوات تمثل صداعاً دائماً للحوثيين بسبب رفضها الصامت والمستمر. ومع غياب الاحتجاجات العلنية الكبيرة، ربما ظنت الجماعة أن القبضة الأمنية كافية لإنهاء أي معارضة. لكن التاريخ يثبت أن القمع لا يلغي الرفض، بل يدفعه إلى التحول إلى أشكال أكثر عمقاً وخطورة.

الاستراتيجية الحالية تبدو قصيرة النظر. فكل معتقل جديد، وكل سجن سري، لا يرسخ السيطرة بقدر ما يراكم الاحتقان. المجتمعات لا تُدار بالخوف إلى الأبد، وعندما تتحول السلطة إلى أداة قمع صرفة، فإنها تفقد أي شرعية— تلك التي تفرضها بالقوة.

في النهاية، ما يحدث في إب ليس مجرد انتهاكات محلية، بل صورة مكثفة لمشروع سياسي قائم على الإقصاء والترهيب. وإذا استمرت هذه السياسات دون رادع، فإنها لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وتغذية دورة جديدة من الصراع، يدفع ثمنها المجتمع اليمني بأكمله.