اليمن .. جمهورية البدلات المتحدة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في اليمن، لم تعد المشكلة أن الناس فقراء؛ بل إن الفقر نفسه صار قديم الطراز، لا يواكب هذا العبث المتجدد. فبينما ينشغل العالم بالذكاء الاصطناعي، ابتكرنا نحن “ذكاء البدلات”، ذلك الفن الخفي الذي يُتقن كيف تُصرف الأموال بسرعة تفوق صرف الرواتب، وكيف تسافر الوفود أبعد مما يستطيع المواطن أن يصل إلى عمله—إن كان العمل ما يزال موجودًا أصلًا.

ولأن الصورة أوضح من أن تُجمَّل، فإن المواطن اليمني لا يحتاج إلى خطابات ولا شعارات ليفهمها؛ يكفيه أن يمد يده إلى جيبه الخاوي، ليكتشف أن الخلل ليس في التفاصيل، بل في أصل الحكاية، في بنيةٍ كاملةٍ تتآكل من الداخل بينما تُجمَّل من الخارج.

في المقابل، يبدو المسؤول وكأنه يعيش في واقعٍ موازٍ؛ عالمٌ الأرقام فيه مطمئنة، والموازنات “تحت السيطرة”، والواقع المرير مجرد تفصيل عابر يمكن تأجيله أو تجاهله. وهنا تتسع الفجوة، لا كمسافة عادية، بل كهوةٍ سحيقة بين ما يُقال وما يُعاش.

وعندما يُطرح اسم رشاد العليمي، يدخل النقاش منطقة ضبابية؛ كثير من الكلام، كثير من الأرقام المتداولة، كثير من النفي، وقليلٌ جدًا من الوضوح. كأن الشفافية تحولت إلى ترفٍ نادر، يشبه تمامًا تلك الأشياء التي لم يعد المواطن يملكها.

وفي هذا السياق، تُقاس هيبة الدول في العالم بما تقدمه لشعوبها، غير أن بعض نسخنا العربية ابتكرت مقياسًا آخر؛ حيث تُحتسب الهيبة بعدد السيارات في الموكب، وعدد النجوم في الفنادق، وعدد الوجبات في الاجتماعات. أما المواطن، فمجرد بندٍ مؤجل، أو تفصيل إداري لا يستدعي العجلة.

والمفارقة المؤلمة أن اليمني أصبح خبيرًا اقتصاديًا رغمًا عنه؛ يحسب راتبه بالدولار، ثم يضحك—ليس لأنه فهم المعادلة، بل لأنه أدرك أنها لا تعنيه أصلًا. فنحن أمام اقتصادين متوازيين: أحدهما مزدهر على الورق، والآخر يحتضر في الشارع، ولا رابط بينهما سوى المعاناة.

ورغم اعتراف السلطة بصعوبة الظروف—وهو اعتراف صحيح—إلا أن الأصعب هو مطالبة الناس وحدهم بدفع كلفة هذا التعقيد. فالتقشف في اليمن لم يعد سياسة، بل مفارقة ساخرة؛ المواطن يجوع، فيما تزداد السلطة وزنًا، كأن الأزمات تُغذّي طرفًا واحدًا فقط.

أما الحديث عن “الأولويات”، فيبدو أنه بحاجة إلى مراجعة جذرية؛ ليس مجرد إعادة ترتيب، بل إعادة تعريف كاملة لما هو ضروري وما هو مؤجل. فالأولويات التي لا تلامس حياة الناس، ليست أولويات، بل تبريرات مؤجلة.

وفي نهاية المطاف، لا أحد يطلب المستحيل. الناس لا تريد قصورًا، بل سقفًا لا يتسرب منه المطر؛ لا تريد مواكب، بل طريقًا صالحًا؛ لا تريد خطابات، بل راتبًا يصل في موعده. ومع ذلك، تبدو هذه المطالب البسيطة كأنها معجزة مؤجلة، أو حلمًا عالقًا في ميزانيةٍ تضيع قبل أن تصل.

واليمن ،اليوم، لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى أفعالٍ تعيد للواقع توازنه، وتخفف عن الناس ثقل الأزمات المتراكمة. فالمشكلة لم تعد في الوصف، بل في غياب التنفيذ؛ في الفجوة بين ما يُقال في الأعلى وما لا يصل أثره إلى الأسفل.

وعليه، فإن المسؤول—أيًّا كان اسمه—ليس وحده المشكلة، بل جزء من منظومة كرّست المنصب كفرصة، لا كمسؤولية، وجعلت من المال العام فكرة قابلة للتأويل، لا رقمًا مقدسًا يُصان.

وفي بلدٍ كهذا، قد لا يعرف المواطن كم صُرف وأين، لكنه يعرف جيدًا كم خسر: خسر كل شيء، خسر الأمان، وخسر الاستقرار، وخسر أبسط حقوقه. وخسر، قبل كل شيء، ثقته بكل ما يُقال.