27 أبريل… يومٌ انتصر فيه اليمن لصوت الشعب وكُتبت فيه شرعية الدولة من صناديق الاقتراع
لم تكن لحظة إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل كانت مغامرة دولة قررت أن تسبق زمنها، وأن تختبر طريقًا مختلفًا في منطقةٍ اعتادت الصوت الواحد والقرار المغلق. يومها، لم يُكتب لليمن أن يكون مجرد جغرافيا موحّدة، بل مشروعًا سياسيًا طموحًا أراد أن يزاوج بين الوحدة والتعددية، بين الدولة والحرية، وبين السلطة وصناديق الاقتراع.
في قلب تلك اللحظة، برز اسم الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح كصانع قرار اختار أن يفتح الأبواب بدل أن يغلقها، وأن يمنح السياسة مساحتها بدل أن يحتكرها. لم يكن هذا الخيار سهلًا، ولا مألوفًا في بيئة إقليمية كانت ترى في التعددية مخاطرة، وفي الديمقراطية تهديدًا. لكنه كان قرارًا حمل في طياته رهانات كبرى على وعي المجتمع وقدرته على إدارة الاختلاف.
منذ السنوات الأولى للوحدة، بدا المشهد اليمني مختلفًا. عشرات الأحزاب خرجت إلى العلن، من أقصى اليسار إلى عمق التيارات الإسلامية، في لوحة سياسية نادرة التنوع. لم تكن تلك التعددية شكلية، بل صاخبة، حيوية، وأحيانًا فوضوية… لكنها كانت حقيقية. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل اليمن استثناءً عربيًا في زمن الانغلاق.
ثم جاءت انتخابات 27 أبريل 1993، لتؤكد أن المشروع لم يكن شعارًا، بل ممارسة. كانت تلك الانتخابات لحظة اختبار، لا للنظام فقط، بل للمجتمع كله. والنتيجة؟ تجربة انتخابية تنافسية شهد لها الداخل والخارج، ورسخت فكرة أن السلطة يمكن أن تُكتسب عبر صناديق الاقتراع، لا عبر فوهات البنادق. يومها، وُلد ما يمكن تسميته بـ"الرهان اليمني" على الديمقراطية.
لم تتوقف المسيرة عند هذا الحد. في عام 1999، شهد اليمن أول انتخابات رئاسية مباشرة، خطوة جريئة في محيط لم يكن قد استوعب بعد فكرة انتخاب الرئيس. ثم تكررت التجربة في 2006، وسط أجواء تنافسية عكست حيوية سياسية لا يمكن إنكارها. وبين هذه المحطات، كانت الصحافة تنمو كسلطة رابعة حقيقية، مدعومة بقانون سمح بظهور مئات الصحف، الحزبية والمستقلة، التي لم تتردد في نقد السلطة نفسها.
لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. حرب 1994 شكّلت أول اختبار قاسٍ للوحدة والديمقراطية معًا.و مع ذلك ظل الإطار العام للتعددية قائمًا، واستمرت الانتخابات، واستمر الجدل السياسي، وكأن اليمن يصرّ على إبقاء نافذة الأمل مفتوحة.
غير أن التحديات تراكمت. ومع دخول العقد الثاني من الألفية، بدا أن التجربة تواجه أعنف اختباراتها. أحداث 2011 لم تكن مجرد احتجاجات، بل انقلاب اخواني أعاد تشكيل المشهد بالكامل. وبعد انتخابات فبراير 2012م وتسليم السلطة بطريقة سلمية ثم جاءت الأعوام التالية لتُغرق البلاد في دوامة من الصراع، انتهت بانهيار مؤسسات الدولة، وتوقف العملية السياسية، وتراجع الحريات إلى مستويات غير مسبوقة.
منذ 2014 وبعد رفض حزب الاصلاح اجراء الانتخابات الرئاسية كاستحقاق وطني و دستوري، لم يعد الحديث عن الديمقراطية في اليمن ترفًا، بل حنينًا. تحولت البلاد إلى ساحة صراع، وغابت صناديق الاقتراع، وحلّت محلها معادلات القوة والسلاح. الصحافة التي كانت يومًا منبرًا مفتوحًا، أصبحت مهددة، والسياسة التي كانت ساحة تنافس، تحولت إلى خطوط تماس.
ومع ذلك، لا يمكن شطب ما حدث قبل ذلك. فالتجربة اليمنية، بكل ما لها وما عليها، أثبتت أن الديمقراطية ليست مستحيلة في هذا الجزء من العالم. نعم، تعثرت، وربما انهارت مرحليًا، لكنها وُجدت يومًا، وكانت حقيقية بما يكفي لتترك أثرًا لا يُمحى من الذاكرة الوطنية.
إن استحضار تلك المرحلة اليوم ليس ترفًا تاريخيًا، بل ضرورة سياسية. فاليمن الذي عرف التعددية، قادر على استعادتها. واليمنيون الذين مارسوا حقهم في الاختيار، لن يقبلوا طويلًا بواقع يُقصيهم عن تقرير مصيرهم. التجربة تقول إن الدولة يمكن أن تقوم على الشراكة، لا الإقصاء، وعلى السياسة، لا الحرب.
في النهاية، تبقى القصة اليمنية درسًا مزدوجًا: كيف يمكن لقرار شجاع أن يفتح أفقًا واسعًا، وكيف يمكن للأزمات المتراكمة أن تغلقه. وبين هذين الحدّين، يقف اليمن اليوم، لا كدولة فاشلة كما يروّج البعض، بل كدولة مؤجلة… تنتظر لحظة استعادة مشروعها الأول: دولة الوحدة، والديمقراطية، والتعددية.