حين تتحول المليشيا إلى وطن .. وتغيب الدولة عن شعبها !!

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

في الدول الطبيعية، تُبنى الشرعية من الناس، وتُصان لأجلهم، وتُمارس باسمهم؛ إذ لا معنى لسلطة تنفصل عن نبض شعبها أو تتنكر لآلامه. أما حين تختل هذه المعادلة، فإن السلطة لا تعود سلطة، بل تتحول إلى عبء إضافي يُثقل كاهل شعب أنهكته الأزمات وتآكلت روحه تحت وطأتها. وهذه ليست نظرية سياسية باردة، بل حقيقة دامية اختبرتها شعوب كثيرة، واليمن اليوم أحد أكثر نماذجها إيلاماً وقسوة.

وإذا كانت المشكلة في اليمن قد بدأت بانقلاب مليشيا الحوثي، فإنها لم تتوقف عند هذا الحد، بل تفاقمت وتضاعفت بفعل الفراغ الذي تركته السلطة التي تُسمّي نفسها "شرعية". ففي الوقت الذي تتغول فيه المليشيا، وتفرض واقعاً قائماً على القمع والخوف والسلاح، تقف تلك السلطة على مسافة باردة، تراقب المشهد، وتكتفي بالإدانة، بل وتُلقي على كاهل الشعب عبء استعادة ما عجزت هي عن حمايته. وهنا تتجلى المأساة مضاعفة: قمع من جهة، وتخلٍ من جهة أخرى.

وعلى هذا النحو، لم تعد مليشيا الحوثي مجرد حركة متمردة، بل تحولت إلى آلة قمع متكاملة، وسيف مسلط على رقاب المواطنين؛ إذ تحتكر القوة، وتصادر القرار، وتسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها الضيقة التي لا تعترف بالتعدد ولا تقبل بالشراكة. فهي لا ترى في المواطن إلا تابعاً، ولا في الدولة إلا غنيمة، ولا في الحرب إلا وسيلة لإدامة سلطتها. وبذلك، فإن ما تمارسه ليس عملاً سياسياً، بل مشروع إخضاع شامل يقوم على كسر الإرادة الإنسانية وإلغاء الحق في الحياة الكريمة.

ومع ذلك، ورغم فداحة هذا الواقع، فإن الكارثة الأكبر والأكثر مرارة تكمن في غياب السلطة التي يفترض أن تكون ملاذاً لليمنيين وحامياً لهم. إذ تبدو وكأنها تخلّت عن دورها الجوهري، فلا حضور حقيقي لها على الأرض، ولا رؤية واضحة، ولا حتى إحساس بمسؤولية يتناسب مع حجم المأساة التي يعيشها شعبها. وكأنها اكتفت بالاسم، وتخلّت عن الفعل، متناسية أن الشرعية مسؤولية تُمارس، لا لقب يُتداول.

بل إن الأدهى من ذلك، أن المعادلة قد انقلبت رأساً على عقب؛ فبدلاً من أن تكون السلطة درعاً لشعبها، أصبح الشعب هو المطلوب منه أن يكون درعاً لها. يُطلب منه أن يقاتل، وأن يصبر، وأن يتحمل كل أشكال المعاناة، بينما قياداته بعيدة عن الميدان، لا تحضر إلا في بيانات جوفاء أو عبر شاشات باردة. وهذه معادلة جائرة، تُفقد أي سلطة معناها، وتحوّلها إلى كيان هش بلا روح ولا مضمون.

ورغم كل هذا، فإن الشعب اليمني لم يقصّر؛ فقد صمد في وجه القهر، وتحمل ما لا يُحتمل، ودفع أثماناً باهظة دفاعاً عن كرامته ووجوده. لكنه، في المقابل، لم يجد من يوازي هذه التضحيات بالفعل الحقيقي، لا سياسياً ولا عسكرياً ولا إنسانياً. فترك وحيداً، يتخبط بين مطرقة مليشيا الحوثي وسندان الإهمال، مثقلاً بأسئلة موجعة: من يمثلني حقاً؟ ومن يقف معي لا فوقي؟ ومن يقاتل من أجل أن أعيش لا أن أفنى؟

ومن هنا، فإن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط إطالة أمد الأزمة، بل يهدد بتآكل فكرة الدولة نفسها؛ إذ حين تفشل السلطة في أداء واجبها، وتنجح المليشيا في فرض واقعها، فإن الخسارة لا تكون لطرف دون آخر، بل للوطن كله، للإنسان قبل الأرض، وللمستقبل قبل الحاضر.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، يفرض السؤال نفسه بإلحاح مؤلم: كم مرة تحركت هذه "الشرعية" بصدق لدعم من يقاتلون على الأرض؟ وكم مرة بادرت بالفعل لا بالتصريحات؟ وأين هي من معركة الحقوق، ومن الاقتصاد المنهار، ومن المأساة الإنسانية التي يرزح تحتها ملايين اليمنيين الذين يواجهون الجوع والخوف والانكسار كل يوم؟

وبالتالي، لا يمكن هزيمة مشروع مليشياوي بعقلية غائبة أو إرادة مترددة، كما لا يمكن استعادة الدولة بإدارة الأزمة من خلف الحدود. فالمعركة في اليمن ليست فقط ضد مليشيا الحوثي، بل أيضاً ضد الفراغ، وضد التراخي، وضد سوء تقدير المسؤولية التي كلّفت شعباً بأكمله ثمناً باهظاً.

وأخيراً، فإن الدول لا تُدار عن بُعد، ولا تُحمى بالشعارات، ولا تُبنى بالخطابات. ومن يطلب من شعبه أن يموت من أجله، عليه أولاً أن يكون مستعداً لأن يعيش معه، وأن يقاتل إلى جانبه، وأن يخسر من أجله. أما غير ذلك، فليس شرعية تُرجى… بل وهم ثقيل يدفع ثمنه الأبرياء كل يوم.