صرخة في المحراب: الرماد الذي يقرع أجراس الخذلان
ليس سهلاً على إنسان أن يختار المسجد تحديداً مسرحاً لإحراق جسده، وهذا ما فجعنا به اليوم في مأرب، في ظل غياب أي توضيح رسمي حتى اللحظة، وصمت مريب من محيطه الأسري.
تحاول بعض الروايات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي اختزال المأساة في "المرض النفسي"، وكأنها تسعى لطيّ ملف إداري بارد، والهروب من استحقاق المساءلة الأخلاقية والسياسية.
إن وصم الضحية بـ "الجنون" هو هروب من مواجهة الحقيقة، فالمريض النفسي بوعينا الفطري قد يصرخ، يتعرى، يتيه، أو ينعزل، لكن أن يختار "بيت الله" – الملاذ الأخير لترميم الروح وتصفية النفس – ليحول جسده إلى وقود، فهذا يعني أن الرسالة أعمق من مجرد خلل كيميائي في الدماغ.
في اختيار المسجد ثمة احتجاج سياسي واجتماعي صامت ومرعب، كأنه أراد أن يحرق خذلاننا في أقدس بقاعنا، ويوصل رسالة لن ندرك فحواها إلا بتحقيق رسمي يكاشفنا بعورات واقعنا.
لقد استنزف الخراب روح اليمني وهشم كبرياءه، حتى صرنا نعيش في واقع تلاشت فيه الحدود الفاصلة بين السوداوية الفردية والانهيار الجماعي، وكأن فعل الانتحار بات صدىً لروح جمعية أنهكها البؤس.
إن فهم هذه الفاجعة يتطلب تفكيك بنية "الخراب الجاثم" فوق رؤوسنا، ذلك الخراب الذي لم يكتفِ بهدم المدن، بل راكم القهر والعزلة والفقر، محولاً الإنسان إلى كتلة ألم تنزوي في زاوية الخلاص الأخير دون أن يلحظها أحد.
تحضر هنا مساحة إنسانية وسياسية مهملة، ينبغي استنطاقها قبل إطلاق الأحكام الجاهزة أو اختصار المأساة بتفسيرات "غير منصفة" تبرئ السلطة والمجتمع من دم هذا الإنسان.
لا بد من الفهم قبل الإدانة، ولا بد من الاحتواء قبل النبذ، فترك هذه الحالات لمواجهة مصيرها وحيدةً يجعلنا جميعاً شركاء أصيلين في الجريمة.
إن واقعنا لا يكتفي بدفع اليائسين نحو الانتحار، بل ينصب "مقصلة خفية" تلتهم الشباب بجلطات دماغية وذبحات صدرية، وهي في جوهرها نتائج سياسية لضغوط معيشية وخذلان مستمر.
كونوا أكثر دفئاً وتراحماً، فالناس لم تعد تخوض معاركها بصوت عالٍ، بل تصارع من أجل النجاة الصامتة كل يوم من ركام هذا الخراب الطويل.
كلمة طيبة قد تعيد لقلبٍ نبضه، واحتواء صادق قد يمنع روحاً من الانطفاء، ويمنح إنساناً سبباً واحداً ليصدق أن الحياة ما تزال تستحق.