من الإعجاب إلى الابتزاز.. الوجه الخفي لعلاقات التواصل الاجتماعي

من الإعجاب إلى الابتزاز.. الوجه الخفي لعلاقات التواصل الاجتماعي
مشاركة الخبر:

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة نفسية واجتماعية معقدة، تختلط فيها الحاجة للاهتمام بالرغبة في الظهور، ويتقاطع فيها الفراغ العاطفي مع الاستعراض الرقمي، بينما يقف خلف الشاشات أشخاص يجيدون قراءة نقاط الضعف أكثر مما يجيدون قراءة الكلمات.
في هذا العالم الافتراضي، لا يتحرك المبتزون ومعدومو الأخلاق بعشوائية، بل يبحثون دائمًا عن الشخص الأكثر هشاشة، والأكثر احتياجًا للاهتمام، والأقل قدرة على وضع الحدود. وغالبًا ما تكون المرأة، خصوصًا في لحظات الانكسار النفسي أو الوحدة أو الإهمال العاطفي، هدفًا سهلًا لهذا النوع من الاستغلال.
المشكلة أن كثيرًا من النساء لا ينتبهن إلى أن الصفحات الشخصية لم تعد مجرد مساحة خاصة، بل أصبحت واجهة يقرأ الناس من خلالها الحالة النفسية والسلوكية لصاحبها؛ فحين تمتلئ الصفحة بالصور الشخصية المبالغ فيها، أو بالمنشورات التي تحمل رسائل حزن ووحدة واحتياج مستمر للاهتمام، أو حين تتحول التعليقات إلى ساحة مفتوحة لعبارات الغزل والمديح دون أي حدود واضحة، فإن البعض يبدأ في رسم تصورات معينة، سواء كانت عادلة أم ظالمة.
وهنا تبدأ واحدة من أخطر المشكلات الاجتماعية التي صنعتها وسائل التواصل: اختلاط الحاجة الطبيعية للتقدير والاهتمام، مع الاستعراض الرقمي الذي يفتح الباب للتجاوزات.
فمن الطبيعي أن يحب الإنسان التقدير والإعجاب والشعور بأنه مرئي ومحبوب، لكن الخطورة تبدأ حين يتحول هذا الاحتياج إلى اعتماد نفسي على انتباه الغرباء، أو إلى حالة من التلذذ المستمر بعبارات الغزل والإطراء القادمة من أشخاص مجهولين. وفي هذه المرحلة، لا يعود الأمر مجرد تفاعل عابر، بل يتحول أحيانًا إلى بيئة تشجع بعض ضعاف النفوس على التمادي.
الفضاء الرقمي يعمل بطريقة مختلفة عن الواقع؛ الناس فيه يختبرون الحدود باستمرار. وكلما شعر البعض أن هناك تقبلًا مفتوحًا للتقرب الشخصي أو الغزل أو التلميحات، زادت جرأتهم في الانتقال من التعليق العابر إلى الرسائل الخاصة، ثم إلى محاولات التعلق العاطفي أو الاستغلال النفسي، وفي بعض الحالات إلى الابتزاز.
ولا يعني ذلك أن المرأة مسؤولة عن انحراف الآخرين أو عن جرائمهم، فالمجرم يبقى مسؤولًا عن أفعاله مهما كانت الظروف، لكن المشكلة أن بعض النساء يمنحن الآخرين، دون وعي، إشارات تجعلهم يعتقدون أن المساحة مفتوحة وأن الحدود رخوة.
كثير من المبتزين لا يبدأون بالتهديد، بل يبدأون بالاحتواء. يظهرون كأشخاص متفهمين، داعمين، مهتمين بالتفاصيل الصغيرة، بارعين في الإصغاء للكلمات الحزينة والمنشورات المليئة بالخذلان والانكسار. ومع الوقت، تتحول العلاقة الافتراضية إلى تعلق نفسي، ثم إلى ثقة زائدة، ثم إلى مشاركة صور أو أسرار أو لحظات ضعف، قبل أن ينقلب الوجه الهادئ إلى أداة ضغط وابتزاز.
الأخطر من ذلك أن بعض النساء لا يدركن كيف ينظر المجتمع الرقمي إليهن. فالصفحة التي تتحول إلى معرض دائم لعبارات الغزل والتعليقات الشخصية تصنع انطباعًا لدى كثير من الناس بأن صاحبتها تبحث عن هذا النوع من الاهتمام أو ترحب به. وربما يكون هذا الحكم قاسيًا أو غير دقيق أحيانًا، لكنه واقع اجتماعي لا يمكن تجاهله، لأن الناس على الإنترنت يبنون تصوراتهم من طريقة الحضور الرقمي أكثر مما يبنونها من الحقيقة نفسها.
وفي الحقيقة، ليست القضية قضية “قلة دين” أو “انعدام أخلاق” بالمعنى المباشر الذي يتداوله البعض، كما أنها ليست دائمًا نرجسية خالصة، بل غالبًا مزيج معقد من الفراغ النفسي، وضعف التقدير الذاتي، والرغبة في الشعور بالأهمية، إضافة إلى تأثير منصات صُممت أصلًا لتغذية الإعجاب والاهتمام والتفاعل المستمر.
لكن وسط كل ذلك، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. فالمرأة التي تدرك قيمة نفسها لا تجعل تقييمها مرتبطًا بعدد المعجبين أو التعليقات أو الرسائل الخاصة. والمرأة التي تفهم طبيعة العالم الرقمي تدرك أن ليس كل اهتمام صادقًا، وليس كل لطف بريئًا، وأن بعض الكلمات المعسولة قد تكون بداية طريق طويل من الاستغلال النفسي والانكسار.
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي عالمًا يختلط فيه الحقيقي بالمزيف، والمشاعر الصادقة بالنوايا المريضة، وأصبح من الضروري أن يدرك الجميع، خصوصًا النساء، أن الخصوصية ليست تشددًا، وأن وضع الحدود ليس قسوة، وأن الحفاظ على الكرامة الرقمية لا يقل أهمية عن الحفاظ على الكرامة في الواقع. ففي زمن الشاشات المفتوحة، قد تبدأ الكارثة أحيانًا من مجرد تعليق ظنه البعض بسيطًا وعابرًا.