اليمن في معادلة هرمز وباب المندب: هل تصبح اليمن بوابة الخليج العربي إلى المحيط الهندي؟
لم تعد اليمن تقع على هامش معادلة الأمن الإقليمي في الخليج العربي، بل أصبحت في قلبها الجغرافي والاستراتيجي. أي قراءة لأزمة إغلاق مضيق هرمز أو التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، تبقى ناقصة إذا تجاهلت الموقع اليمني، سواء من زاوية الأمن البحري أو بدائل الطاقة.
ترتبط أهمية اليمن بالأزمة الحالية بالجغرافيا البحرية. تشرف اليمن على باب المندب، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة العالم وصادرات النفط الخليجية نحو أوروبا والولايات المتحدة. أما مضيق هرمز فيُعد المنفذ الرئيسي لصادرات دول الخليج نحو آسيا (الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية).
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن تدفق النفط عبر هرمز بلغ في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً (حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ونحو ربع التجارة البحرية العالمية للنفط)، منها نحو 14.7 مليون برميل خام ومكثفات.c569a4
أما باب المندب، فقد انخفض التدفق عبره إلى حوالي 4.0-4.2 مليون برميل يومياً في 2024-2025 بسبب هجمات الحوثيين (مقارنة بـ8.7 مليون برميل قبل الأزمة)، مما يمثل نحو 5-6% من التجارة العالمية للنفط.8866db
سعت إيران لعقود إلى استخدام هرمز كورقة ضغط، لكن التطورات أظهرت أن أذرعها (ومنها الحوثيون) تمنحها القدرة على تهديد مسارين بحريين في آن واحد. هذا ما ظهر جلياً في هجمات البحر الأحمر، التي استدعت تحالفاً بحرياً دولياً بقيادة أمريكية.
استمرار الانقسام اليمني يجعل الساحل اليمني الطويل (أكثر من 2,200-2,500 كم على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب) منطقة رخوة، مما يرفع كلفة التأمين البحري ويهدد سلاسل الإمداد العالمية.
هل يمكن أن تكون اليمن بديلاً استراتيجياً لدول الخليج؟
نظرياً: نعم، وبدرجة عالية.
تمتلك اليمن شريطاً ساحلياً واسعاً على بحر العرب والمحيط الهندي، خاصة في محافظتي حضرموت والمهرة. هذه المنطقة تمنح دول الخليج منفذاً مباشراً إلى الأسواق الآسيوية دون المرور بهرمز. تتميز المنطقة بتضاريس سهلة نسبياً، كثافة سكانية منخفضة، وتواجد حقول نفطية قائمة (مثل حوض المسيلة في حضرموت).
الفكرة ليست جديدة. طرحت السعودية مشاريع أنابيب نحو بحر العرب منذ عقود. أنشأت الإمارات خط حبشان-الفجيرة (406 كم، طاقة 1.5 مليون برميل يومياً، تكلفة نحو 3.3-4.2 مليار دولار). لكنه لا يحل المشكلة كاملة، إذ تبقى الفجيرة ضمن نطاق التهديدات الإقليمية.1b1414
يبرز شرق اليمن أكثر أهمية لأنه يوفر:
مسافة بحرية أقصر إلى المحيط الهندي المفتوح.
إمكانية إنشاء موانئ تصدير عملاقة (مثل نشتون أو المكلا).
إمكانية مد خطوط أنابيب من السعودية (وربما دول خليجية أخرى) عبر الربع الخالي إلى حضرموت/المهرة.
تقديرات فنية تقريبية للمشروع المقترح:
المسافة: 800-1,200 كم (حسب المسار).
الطاقة المحتملة: قابلة للوصول إلى ملايين البراميل يومياً (مقارنة بخط بترولاين السعودي الشرقي-الغربي: 1,200 كم، طاقة تصل إلى 7 ملايين برميل).
المزايا الاقتصادية: تقليل زمن الشحن إلى آسيا، خفض التكاليف والمخاطر، وتحويل اليمن إلى عقدة لوجستية للطاقة والبتروكيماويات.
هناك نقاشات حالية (2026) بين السعودية واليمن حول دراسات الجدوى ومذكرات تفاهم جيولوجية واقتصادية لهذه المشاريع.11270e
التحديات الرئيسية (اقتصادياً وأمنياً)
رغم الإمكانيات، يواجه السيناريو عقبات كبيرة:
غياب الدولة المستقرة وسيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الشمال.
تعقيدات النفوذ الإقليمي في الشرق.
الحاجة إلى استثمارات ضخمة (مليارات الدولارات) لحماية خطوط الأنابيب عبر مناطق صحراوية وقبلية.
التنافس الدولي في المحيط الهندي (الصين، أمريكا، الهند).
تجارب عالمية مثل خط باكو-تبليسي-جيهان والبدائل الروسية تؤكد أهمية البحث عن ممرات آمنة جغرافياً.
في الخلاصة: لم يعد استقرار اليمن شأناً داخلياً فقط، بل أصبح جزءاً أساسياً من أمن الطاقة العالمي وأمن الخليج. إذا أحسنت دول الخليج استثمار موقع اليمن الجغرافي وسواحلها الممتدة على المحيط الهندي، ودعمت بناء دولة يمنية مستقرة ومتكاملة اقتصادياً، فقد تتحول اليمن من "عبء أمني" إلى بوابة استراتيجية جديدة للخليج نحو آسيا والعالم. هذا ليس حلماً نظرياً، بل خياراً جيوسياسياً واقتصادياً قابلاً للتحقيق في العقود القادمة.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني جامعة تعز